فهرس إكس

اتركني أعيش | كبح شهية الخلايا المناعية

ما من أحدٍ يريدُ إصابةَ أنسجةِ دماغِهِ أو حبلِهِ الشّوكيّ بعدوىً فيروسيّةٍ؛ مثلَ فيروسِ زيكا وفيروسِ نقصِ المناعةِ البشريّة “HIV” وداءِ الكلَب “rabies” وشللِ الأطفال “polio”، والّتي تُعدّ بطبيعةِ الحالِ فيروساتٍ تصيبُ الجهازَ العصبيّ المركزيّ. لكنّ الأمرَ قد يبدو مختلفاً ومرغوباً فيهِ بالنّسبة للباحثينَ الّذين يستخدمونَ فيروساتٍ أخرى غيرَ ضارّةٍ للتّلاعبِ في جيناتِ خلايا الدّماغِ والحبلِ الشّوكيّ، بهدفِ الفهمِ الأفضلِ لكيفيّةِ عملِ الجهازِ العصبيّ المركزيّ، بما في ذلك طريقةُ دفاعهِ عن نفسه. وقد طبّقَ الأطبّاءُ بعضَ أبحاثهمِ لعلاجِ النّاسِ عن طريقِ تقديمِ العلاجِ الجينيّ بواسطةِ فيروساتٍ تُصحّحُ أوجهَ القُصورَ الوراثيّة.
تكمنُ المُشكلةُ في أنّ الجهازَ المناعيّ قد تطوّرَ لمكافحةِ العدوى الفيروسيّة، حتّى لو كانت هذهِ الفيروساتِ قد صُمّمت لإحداثِ تأثيرٍ إيجابيٍّ ومرغوبٍ فيه. يقولُ أكسيل نيمرجاهان “Axel Nimmerjahn” من معهدِ سالْك “The Salk Institute”: “إنّ جهازَ المناعةِ ذكيٌّ ولديهِ طرائقُ للتّعرّفِ على أيّ نوعٍ من الاضّطرابِ، فقد لا يتعرّفُ بالضّرورةِ على الفيروسِ بحدّ ذاتِه، ولكنّه سيتعرّفُ على الاضّطرابِ الّذي يُدخِلُهُ الفيروس”. فبالإضافةِ إلى التّخلّصِ من الفيروساتِ أو إبدالِ الخلايا، فقد يُبالغُ الجهازُ المناعيّ في ردِّ فعلِه، كما يقولُ نيمرجاهان، ويُدمّرُ ليس فقط الخلايا المُصابة بل والخلايا المُجاورةَ لها أيضاً، وهو الأمرُ الّذي يُمكنُ أن يؤدّي إلى إعاقاتٍ معرفيّةٍ أو حركيّةٍ تستمرّ مدى الحياة. سببٌ إضافيُّ لذلك هو أنّ الخلايا الّتي تتجدّدُ في الجهازِ العصبيّ المركزيّ قليلةٌ ولا تكفي لإصلاحِ هذا التّلف النّاتج.


Image: NASA
رسم توضيحي 1 شريحة مكبرة من قشرة دماغ فئران معدلة وراثياً تظهر الخلايا النجمية المصابة بالفيروس (الحمراء) والخلايا المناعية التي من شأنها أن تلتهمها (الأزرق الداكن)
Nimmerjahn et al.

إحدى طرائقُ إيقافِ حدوثِ هذه النّتيجةِ غيرِ المرغوبِ فيها هي إيقافُ إشارةِ “إلتهمني” (“eat me” signal) الّتي عرّفها نيمرجاهان وفريقُهُ. تُنتجُ الإشارةُ بواسطةِ خلايا الجهازِ العصبيِّ المركزيِّ المُصابةِ، لتُخبرَ الخلايا الدّبقيةََ الصّغيرةَ في الجهازِ المناعيّ (الظاهرةُ أعلاهُ باللونِ الأزرقِ الدّاكن) أنْ تبدأَ الهجومَ عليها وتلتهمَها. اكتشفَ الباحثونَ أنّه بتثبيطِ نشاطِ بروتينٍ رئيسٍ يُدعى “phospholipid scramblase 1” ستتوقّفُ هذه الإشارةُ، وبذلك تتمُّ حمايةُ الخلايا المُصابةِ بالفيروساتِ (الخلايا النّجميّةِ “astrocytes” المُبيّنةِ أعلاهُ باللونِ الأحمرِ) من أن تلتهمَها الخلايا الدّبقيةَُ الصّغيرةُ لمدّةِ ستّةِ أشهرٍ على الأقلّ، وهي المُدّةُ الّتي قاسَ خلالها الفريقُ التّأثير.
يقول نيمرجاهان: “إذا لم تُحدِث أيّ تغييرٍ، فإنّ العديدَ من هذه الخلايا المُصابةِ ستُزالُ بواسطةِ الخلايا الدّبقيةِ الصّغيرةِ في غضونِ أيامٍ إلى أسابيع”. نشر الفريقُ نتائجهُ في عددِ 8 شباط 2017 من مجلّة “Neuron”.
قبلَ خمسِ سنواتٍ من هذا التّاريخ، كان الفريقُ يبحثُ في المقامِ الأوّلِ في وظيفةِ الخلايا النّجميّةِ، والتي يُعتقدُ أنّها تُنظّمُ الكثيرَ من النّشاطِ داخلَ الجِهازِ العصبيّ المركزيّ. وللتّلاعبِ في وظيفةِ هذه الخلايا، فحصَ الفريقُ العديدَ من الفيروساتِ ووجد أنّ الفيروساتِ الغُدّيّةِ “adenoviruses” خاصّةً، تتميّزُ بقوّةٍ دوناً عن باقي الفيروسات. لكن أصبحَ واضحاً للفريقِ – كما هو الحالُ بالنّسبةِ للباحثينَ الآخرينَ الّذينَ أدخلُوا الفيروساتِ الغُدّيّةِ إلى الجهازِ العصبيِّ المركزيّ – أن ردّ الفعلِ المُبالغِ فيهِ من الجهازِ المناعيِّ تجاهَ هذه الفيروساتِ يشكّلُ تحديّاً لبحوثِهم على الخلايا النّجميّة.
أضافَ نيمرجاهان مؤخّراً: “في الواقعِ لم نجرِ هذا البحثَ في سياقِ العلاجِ الجينيّ، ولكن لدينا الآن بالطّبعِ طريقةٌ للتّحكمِ في الاستجابةِ المناعيّةِ، وهو ما سنستكشفهُ الآن”.
قديماً، كانتِ الفيروساتُ الغُدّيّةُ (الّتي تُسببُ أمراضاً مثلَ نزلاتِ البرد) من بعضِ الفيروساتِ الأولى التي استُخدِمتْ في تجاربِ العلاجِ الجينيّ بسببِ قوّتها تلك، لكن لم تعدْ لها حُظوةٌ بسببِ الإستجابةِ المناعيّةِ الواضحةِ الّتي تُحفزّها. أما الآن، وبعد اكتشافِ طريقةٍ للتّغلّبِ على تلكَ الاستجابةِ في الجهازِ العصبيّ المركزيّ، يُخطّطُ نيمرجاهان للاستفادةِ من المزايا الّتي تتفرّدُ بها هذه الفيروساتُ دوناً عن غيرها من الفيروساتِ الأخرى من أجلِ مواصلةِ أبحاثِ فريقهِ على الخلايا النّجميّة. بالإضافة إلى ذلك، يسعى الباحثونَ في الوقتِ نفسهِ إلى الوصولِ إلى دواءٍ جزيئيٍّ صغيرٍ لأداءِ الوظيفةِ ذاتها، والّتي من شأنها أن تسمحَ أيضاً بعلاجِ الالتهاباتِ الأخرى الّتي تُنَشّطُ phospholipid scramblase 1.

1- الفيروسات الغدية / اللحمية: مجموعة من الفيروسات متوسطة الحجم وغير مغلفة وبها حمض نووي ثنائي السلسلة، وآتي اسمها من المكان التي عزلت فيه للمرة الأولى من اللحمية (الزائدة الأنفية) في الإنسان.عام 1953م.

:

الورقة البحثية:

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق