البيولوجي المتطورةالصحة والطب

اضطراب ADHD؛ سكانٌ من عالمٍ آخر بقوىً خارقة

لحنُ الحياة أن تُفكّرَ خارج الصُندوق؛ وهذا ما يمنحك إيَّاه اضطراب ADHD – إن جاز لنا تسميته كذلك – مُرغمًا لا بإرادتك؛ فهو حالةٌ عصبيَّةٌ تطوريَّة تتميَّز بالقدرة المحدودة على التّركيز في أمرٍ واحد أو التحكم بالعواطف والانفعالات والسلوك الاندفاعي أو إدارة طاقة الفرد  (شاهد فيلم الأحرف المتساقطة الذي يُلخص الحالة من ، ويُصيب ما يُقارب 7.2 % من الأطفال و3.4% من البالغين  في أنحاء العالم، وغالبًا ما يُنظر إليه كاضطرابٍ يُعرقِل عمليَّة التعلُّم الفعّال، ووجد الخبراء فوائدَ وميزاتٍ لهذا الاضطراب يمنحها لمرضاه -إن جاز لنا أن ندعوهم بالمرضى-؛ إذ يتميَّز المصابون به بإبداعهم فيما يحبّون؛ فيقضون وقتًا طويلًا في إنجاز الأنشطة التي يعشقونها ولا يشعرون بالوقت بينما يفعلون ذلك، ثُمَّ إنَّهم يُفرّغون طاقتهم ونشاطهم الزّائد في الرياضة والرّقص؛ فتجدهم دائمي الحركة، وإنَّ هذه الصعوبات في مواكبة طريقة الآخرين في التعلُّم لا تعني أنَّهم غير قادرين على التّميز والنجاح؛ بل هم قادرون؛ ولكن بطريقتهم لا بطريقتنا، فالتَّاريخ مليءٌ بقصصهم؛ إذ لم يُفلح مُعظم العلماء والمبدعين عبر التاريخ في دراستهم، وعانوا من صعوباتٍ في الانتباه والتعلُّم بالطريقة السّائدة، فغادروا مدارسهم ليتعلّموا منزليًّا، ومنهم أينشتاين، وليوناردوا دافينشي المشهور بطريقة كتابته الّتي تحتاج إلى مرآة  كي تستطيع قراءتها، وألكسندر غراهام بيل مخترع الهاتف، وتوماس أديسون مخترع المصباح الكهربائي، وهنري فورد مؤسس شركة فورد لصناعة السيارات ووسائل النقل، وبابلو بيكاسو الفنان الشهير، وأغاثا كريستي الكاتبة المشهورة، ومحمد علي كلاي بطل الملاكمة، وتطول القائمة وتتعدد وتتنوع مناحي إبداعاتهم.

وأخيرًا؛ ديفيد نيل مان مؤسس شركة جيت بلو، وعلى الرّغم من إصابته بهذا الاضطراب؛ لكنَّه كان سببًا من أسباب نجاحه؛ فهو يترافق بمستوياتٍ عالية من الإبداع والتحفيز والطاقة الزائدة، ويمكن تلخيص أهمُّ هذه المِيزات فيما يأتي:

·ريادة الأعمال والتّركيبة الدماغيَّة الخاصَّة:

وَجَد Johan Wikilund من جامعة Syracuse رابطًا بين اضطراب ADHD والنجاح في عالم الأعمال؛ إذ يُسهمُ فرط النشاط والسلوك الاندفاعيِّ في الوصول إلى الريادة في هذا المجال، وفي دراسةٍ أجراها على ستة عشر رجل أعمال أُصيبوا باضطراب ADHD ومسحٍ لخريجي ماجستير إدارة الأعمال ومسحٍ  لرجال الأعمال الناجحين؛ وَجد أنَّ أعراض ADHD مرتبطة ارتباطًا إيجابيًّا ومباشرًا بروح المبادرة التي يتمتع بها هؤلاء؛ ممَّا ينعكس إيجابيًّا على سير العمل ويُحسِّن الأداء.

·مرونة التفكير:

تقترح Mayra Mendez؛ البروفسور في مركز تنمية الأسرة والطفل في محافظة Saint John   أنَّه يُمكننا -في بعض الحالات- أن نأخذ في الحسبان مشكلة التّركيز في أمرٍ واحد لدى المُشخَّصين باضطراب ADHD على أنَّها نوع من “التفكير المرن”؛ فهم بارعون بأداء المهمات المتعددة، وعلى الرَّغم من أنَّ تركيز التفكير أمرٌ بالغ الأهمِّية في عملية التعلُّم الحاليَّة؛ لكنّّه لا يعني شيئًا لهم فهم متفوقون في مرونتهم الإدراكيَّة.

·روح المبادرة:

يقول Wikilund:  يُعرَف المصابون بهذا الاضطراب بسلوكهم الاندفاعيِّ؛ إذ إنّهم يتّخذون القرارات السريعة دونما اكتراثٍ بالنتائج المحتملة، وعلى الرَّغم ممَّا تحمله كلمة اندفاعيّ من معانٍ سلبيَّة؛ لكنَّها مَن يُحفِّز أولئك ليخاطروا ويبادروا؛ في حين يكتفي الآخرون بالنظر والمراقبة؛ فهم يميلون إلى التفكير بالمكاسب المُحتملة أكثر من خوفهم من الخسائر، وهذا بحدِّ ذاته ما يدفعهم للاستمرار والتقدُّم لا التراجع.

وتُضيف Mendez إلى  ذلك: “تؤدِّي ردود الفعل السّريعة هذه إلى الفعل؛ فالمصابون باضطراب ADHD لا يجلسون هكذا وحسب ولا يشعرون بالعجز.”  

·الإبداع:

تُظهِر الدّراسات الحديثة أنَّه لدى المصابين بـ ADHD أفكارٌ إبداعيَّة يطرحونها بأريحيّة وسرعةٍ أكثر من الأصحاء؛ إذ طُلِب من الأطفال في أحد الاختبارات أن يقترحوا أفكارًا لنماذج تصميم الألعاب؛ فأتى أولئك المصابون به بأفكارٍ متنوعة وعديدة تفوق تلك التي اقترحها الأصحاء، وطُلِب من البالغين المصابين  -في اختبارٍ آخر أُجرِي عليهم- أن يقترحوا أكبرَ عدد ممكن من الاستخدامات لأشياءَ شائعةٍ كالكوب والقرميدة؛ فتفوَّق المصابون بالـ ADHD على غيرهم، وتبيَّن أنَّ هذا الإبداع متخصص بتوليد الأفكار فقط، وليس بتصميم النماذج وإنجازها وتمييز الأنماط؛ فعندما طُلِب من البالغين منهم إيجاد الشيء المشترك بين أشياء غير مرتبطة ظاهريًّا مثل جدْ الشيء المشترك بين هذه المفردات: (الألغام، الانطلاق، التناثر)؛ تراجع أدائهم.

·الصدق والعفوية في التعبير عن المشاعر:

هم يواجهون مشكلات في التحكم بعواطفهم ويتصرفون وفقًا لشعورهم دون أن يُخضِعوا مشاعرهم  للفلترة؛ إذ لا يملكون القدرة على كبحها ولا يهتمّون بالنتائج، وقد يكون لهذا فوائده النّفسية 6 بالنّسبة إليهم؛ فلا تصيبهم الأمراض النفسيَّة الناجمة عن كبت المشاعر؛ إذ إنّهم يغضبون بسرعة ويرضون بسرعةٍ أكبر.

ظهر لاحقًا أنَّه قد يكون هذا الاضطراب مِيزة تطوريَّة لمرضى نقص الانتباه وفرط الحركة؛ إذ يَزيد نشاطُ الصيادين في المجتمعات البدويَّة الرحالة وكثرة حركتهم  من فرص نجاحهم في الصّيد وتأمين الطعام والحذر والتيقظ اللازمِين لحماية أطفالهم؛ أي فُرص نجاةٍ وقدرة أكبرَ للبقاء على قيد الحياة قد وَرَّثت هذه الجينات عبر الأجيال، وتُظهِر دراسةٌ حاليَّة للبدو والحضر من قبيلة الأريال في كينيا أنَّ الجينات المُرتبطة بهذا الاضطراب تزدادُ نسبتها بين البدو أكثر منها عند الحضر، فهم أفضلُ في الحصول على الطعام .

وفي كتاب Creativity for ever  لكاتبه Gray Davis،  والذي راجع فيه أدبيات الإبداع من عام 1961 إلى 2003؛ وُجِدت اثنتان وعشرون سِمةً مشتركةً بين المبدعين، وتضمَّنت ستّ عشرة سمةً إيجابيَّة كالاستقلالية والمخاطرة والطاقة العاليَّة والفضول والمرح وحب الفن والعاطفيَّة، وستّ سماتٍ سلبيَّة كالاندفاعيَّة وفرط النشاط والجدليَّة، وفي مراجعتها للكتاب وجدت Bonnie Cramond  أنَّ كثيرًا من هذه السِّمات تتداخل تداخلًا كبيرًا مع التوصيف السلوكيّ للمصابين بـاضطراب ADHD؛ بما في ذلك الأفكار التلقائيَّة والشرود الفكريُّ وأحلام اليقظة والبحث الحسّيُّ والطاقة الزائدة والاندفاعيَّة؛ فهم أقربُ للإبداع والتميُز ممَّن لا يتمتعون بهذه السمات.

وفي رواية أقرب لسيرةٍ ذاتية كتبتها Maria Augusta von Trapp  بعنوان Sound of Music تُلخِص فيها أحداث حياتها بوصفها مربيةً ناجحةً لأسرة مؤلفة من سبعة أشخاص حُولَت إلى فيلم سينمائي وآخر كرتوني، ظهرَت عليها فيه أعراض اضطراب ADHD، ولكنَّها لم تُشخَّص به -ربما لأنَّه لم يكن معروفًا حينها-، وفي شهادة لأحد أفراد أسرتها قالَ بأنَّها كانت على عجلة من أمرها دائمًا وسريعة الغضب والرضا، وتُبادِر في حل المشكلات وتنجح في ذلك وتخرق القوانين في كلِّ شيء وتضفي لمسة من الخيال على كلِّ شيء؛ إذ كان ذلك سببًا لطردِها من كليتها، لتعودَ وتُثبِتَ أنَّها قادرة أكثر من غيرها على تربية الأطفال وِفق الاختصاص الذي كانت تدرسه.

وإنّ القدرةُ على التّحكم بالانتباه والتّركيز أمرٌ ضروريُّ في عالم التعلُّم الحاليِّ غير المُخصَّص لهؤلاء المبدعين، ومن أكبرِ المصاعب التي يواجهونها هي محاولة التّركيز في الفكرة الواحدة التي يتمحور حولها الدّرس في ظِلِّ شلَّال الأفكار الغزيرة التي تغمر أدمغتهم، وهذا ما يقف حاجزًا في وجه تركيزهم في حصةٍ مملة؛ وأنَّ القدرة على الحِفاظ على نهر خيالك وتدفق الإثارة وأحلام اليقظة هو أمرٌ يُفضي للإبداع لا محالة.  

والعلاجُ المُخصَص لهؤلاء والموجَّه إلى الحدِّ من سِماتهم التي تُعدُّ عجزًا؛ لا تُفضي إلَّا إلى قمع إبداعهم؛ إذ تُشير الإحصائيات إلى ارتفاع نِسب تسربهم من المدارس واتجاههم لمِهَنٍ يعشقونها فيبدعون بها ومن يَبقى منهم يستسلم؛ ليصبح كألماسٍ مُغطَّىً بالفحم لا لمعان له.

من منَّا لم يتذكر كيف أثَّرت فيه تجربة التعلُّم عن طريق اللعب المُتَّبعة في رياض الأطفال؟ ومن لم يستمتع بمحاضرةٍ قدَّمها أحد المحاضرين بطريقةٍ غير مألوفة وإبداعيَّة؟

نُحب جميعًا التعلُّم بطريقة المصابين بالـ ADHD؛ بل قد نكون نحن الذين ربما لم نُشخَّص به بعد؛ فلماذا نُصِرُّ على البقاء داخل الصندوق واضعين في الحسبان أنَّ من خارجه عاجز؟ إنَّه لنهر الجنون.

ويَكمن الحل في تنويع الأساليب التدريسيَّة لتُناسِب الجميع لا بعزلهم في برامج مخصصة لهم، برامج لا تعتمد على الحفظ والذاكرة فحسب؛ إذ كلما كانت الذاكرة العاملة أضعف؛  كلّما زادت نسب الإبداع.

وأخيرًا؛ نختم بملاحظةٍ كتبها مُدّرسٌ لطالبٍ يقول فيها: “لم يكن أداؤه مَرضيَّا؛ فإنَّه لا يُصغي ويُصرّ على أداء عمله بطريقته؛ وأؤمن أنَّه يرغب أن يُصبح عالِمًا؛ ولكن في ظلِّ أدائه الحاليِّ يبدو حُلمًا سخيفًا؛ إن لم يستطع أن يتعلم أبسط الحقائق الحيويَّة؛ فلن يكون لديه أدنى فرصة في العمل كمختص، وسيكون هذا مضيعةً لوقته ووقتنا” وكان هذا الطالب هو  Sir John B. Gurdon؛ الحائز على جائزة نوبل في الطب أو علم الفيسيولوجيا لبحثه الثوري في الخلايا الجذعيَّة.

المصادر:

هنا
هنا
هنا
هنا
هنا
هنا
هنا
هنا
هنا
هنا
هنا
هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق