البيولوجي المتطورةالصحة والطب

الأبحاث العلميّة الأساسية

إنّ وجود الحياة خارج الجسم البشري،  والتي تكوّن قاعدة واسعة من المعرفة هو الذي دفع العلماء للتوجّه نحو الأبحاث الأساسيّة؛ فيمكننا اليوم أن نعلم لماذا وجد مرض معيّن وكيف نعالجه أو نتجنب حدوثه عن طريق التجارب على الحيوانات والخلايا والمواد الوراثية، وذلك من خلال دراسة العلاقة بين متغيّرين ضمن التجربة؛ أحدهما تابع للآخر. في الحقيقة؛ هذا ما يعتمد  البحث الطبّي الأساس عليه؛ إذ إنّه للإجابة عن سؤال معيّن؛  نضع عينة التجربة تحت ظروف معينة، ونسجل القيم، ومن ثم نقيّم النتائج، ففي عام 1981 -عندما أصيب خمسة شبان بالتهاب رئوي بالمتكيّسات الكارينيّة مع عوز مناعي حاد- شكّ العلماء بوجود فيروس مسبب لهذه الحالة؛ ما أدّى بهم إلى أخذ عينات من الخلايا المناعية لمرضى مصابين، وتغيير ظروفها، وزرعها على أوساط جديدة؛  وقد انتهى الأمر بوصف فيروس الإيدز أوّل مرة عام 1983.

ويقول لويس توماس؛ عالم الأحياء والكاتب:  “من الصعب التكهن إلى أين يصل العلم”، إذ أُجريت العديد من التجارب للإجابة عن سؤال،  وانتهت بجواب عن سؤال آخر غير مطروح، ومن الأمثلة عن ذلك؛  اكتشاف دواء الـ Cisplatin وهو دواء رئيسٌ لعلاج العديد من الأورام؛ اكتُشف صدفة؛ إذ كان يدُرس تأثير الحقول الكهربائية في البكتيريا، ولوحظ أنّه في بعض الحالات لم تنقسم البكتيريا مثل المعتاد، وتتبعوا سبب هذه الظاهرة  التي عُزيت إلى الأقطاب الكهربائية البلاتينية المُستخدمة في التجربة و من هنا توصّلوا إلى أنّ مركبات البلاتين لها تأثيرات مضادة للانقسامات المميزة للورم، وفي الحقيقة؛ وجود مثل هذه الصدف ضئيل؛ فسيناريو الخيال العلمي الذي يروي كيف يقرع العالم أنبوبيّ اختبار عن طريق الخطأ ويُكتشف فجأة سر الحياة الأبدية ليس موجودًا، والتقدّم العلمي ليس بصدفة! لا تُصنع معظم النتائج من قبل عالم وحيد؛ بل هي نتاج سنوات من العمل الجاد من قِبَل فرق من الباحثين التي غالبًا ما تعمل في المختبرات في جميع أنحاء العالم في المجال نفسه  أو في مجالات ذات الصلة، بحيث يساهم كلٌّ منها في “اكتشاف” النهاية أو الإجابة عن مشكلة.

“إنّ الفرصة تفضل العقل المعدّ جيدًا ” كما قال لويس باستور؛ إذ يجب أن تكون خطوات التجربة مدروسة لتحقق غايات البحث الأساسي، فالتجربة الجيّدة هي التجربة المُخطّطُ لها بعناية مسبقًا، والتي تُصمَّم بالأساس من أجل تجنّب التحيز -من قبل الباحث- لنتيجة محددة، وتعتمد في تصميمها على تقليل نسبة الأخطاء في النتيجة؛ يتحقق ذلك بثلاثة مبادئ رئيسة وهي: توزيع الوحدات التجريبية عشوائيًّا، وملاحظة عينتين تحت الظروف نفسها وهو ما ندعوه بالتكرار، وإزالة أيّ عوامل تشويش يمكن أن تؤثر في التجربة؛ مثل زيادة درجة حرارة الغرفة في تجربة على الفئران والتي يمكن أن تؤثر في قراءة العلامات الحيوية لديها؛ ما يعني تغيّرًا في النتائج، وإنّ التجارب على الحيوانات هي موضوع علميّ وأخلاقي في الوقت نفسه، فعند إجراء التجارب؛ لابدّ من وجود توقعٍ معقول بأنّ التجربة ستعزّز  – على نحوٍ كبير- من المعرفة الحالية فيما يخصّ موضوعًا معيّنًا، ويجب أن يستند تصميم هذه التجربة إلى استخدام الحد الأدنى من الحيوانات المطلوبة، وصقل التجربة جيّدًا وفق المبادئ السابقة للوصول إلى نتائج صحيحة، ومحاولة استبدال تقنيات بديلة بالتجارب على الحيوانات.

ونحن لا ننكر أهميّة استخدام الكائنات الحيّة في التجارب؛ بدءًا بأبسطها -مثل استخدام جرثومة تسمى بالإشريكية القولونية( E.coli) في الأبحاث، والتي تتكون من خلية واحدة فقط؛ إذ شكّلت التجارب المجراة عليها  طفرة حاسمة في فهمنا للحياة؛ خاصّة في منتصف القرن الماضي، و التي كان لها دورٌ كبيرٌ في فهم آلية عمل المادة الوراثية في الكائنات الحيّة-، وانتقالاً إلى كائنات أكثر تعقيدًا  مثل ذبابة الفاكهة(Drosophila melanogaster)؛ إذ كانت مفضّلة في الأبحاث لتكاثرها السريع، ومكّنت من تحديد آثار التغيرات الجينية المجراة عليها بسرعة نسبيًّا.

و تُستخدمُ الفئران على نطاق واسع في التجارب؛ إذ ساهمت التجارب عليها في العديد من الاكتشافات؛ مثل التوصل إلى العديد من الأدوية التي تقمع الاستجابة المناعية والتي تُعدُّ عقبة أساسية في رفض الأعضاء المزروعة، و غيرها من التجارب على الكثير من الحيوانات التي يشترط تناسب وظائف أعضائها مع تصميم الدراسة المحدد.

ويكوّن التحليل الجيني حجرًا  أساسيًّا في الأبحاث الأساسيّة، فقبل أكثر من 40 عامًا؛ حدّد جيمس واتسون  وفرانسيس كريك بِنية المادة الوراثية؛ وهي الحمض الريبي منقوص الأوكسجين أو ما يدعى بال DNA، ومنذ ذلك الحين؛ فكّ العلماء تشفير العديد من أجزاء الجينات الموجودة في جزيئات الحمض النووي؛ الأمر الذي ساعد في تحديد العديد من المورّثات المسؤولة عن العديد من الأمراض العائلية، إذ لوحظ وجود ارتباط بين حدوث المرض وتسلسل محدد للحمض النووي، وقد تمكن العلماء من التوصّل إلى تقنيّة كانت بمثابة قفزة في العلم الحديث تدعى بتقنية الحمض النووي المأشوب أو recombinant DNA technology؛ وهي إزالة جين من خلية واحدة والتلاعب به و من ثمّ إدخاله في خلية أخرى مثل الفيروسات والبكتيريا؛ الأمر الذي مكّن من إنتاج عوامل بيولوجية أو كيميائية كانت تعدُّ شحيحة نسبيًّا؛ مثل الأنسولين البشري وهرمون النمو والإنترفيرون،  وذلك عن طريق وضع الجينات التي توجه تكوينها في الحمض النووي للبكتيريا سريعة النمو.

وإنّ الأبحاث الطبيّة الأساسيّة هي الأساس الذي تعتمد عليه المعرفة؛ إذ تستطيع حلقة في سلسلة أحداث خارج أجسامنا أن تكون قفزة مهمّة في الوصول إلى علاج مرض مستعصٍ، وبالطبع؛ لابدّ من التأكد من إمكانيّة تطبيق النتائج التي نتوصل إليها في المختبر على البشر أولًا؛  إذ تبقى هذه الأبحاث مرحلة قبل سريرية ونحتاج إلى خطوات جديّة لإسقاط ما نتوصل إليه  على الممارسة السريريّة، وهذا ما سنناقشه في الحلقات اللاحقة من هذه السلسلة.

المصادر:

1- Barré-Sinoussi, F. (2003). The early years of HIV research: integrating clinical and basic research. Nature Medicine, 9(7), 844–845. doi:10.1038/nm0703-844

2- Saraf, S., & Kumaraswamy, V. (2013). Basic research: Issues with animal experimentations. Indian Journal of Orthopaedics, 47(1), 6. doi:10.4103/0019-5413.106882

3- Miller, H. I. (2014). Basic research is often best appreciated in retrospect. Nature Biotechnology, 32(1), 24–25. doi:10.1038/nbt.2784

4- هنا

5- Örink, K. J., & Rehbinder, C. (2000). Animal definition: a necessity for the validity of animal experiments? Laboratory Animals, 34(2), 121–130. doi:10.1258/002367700780457608

6- Festing, M. F. W., & Nevalainen, T. (2014). The Design and Statistical Analysis of Animal Experiments: Introduction to this Issue. ILAR Journal, 55(3), 379–382. doi:10.1093/ilar/ilu046

7- Röhrig, B., Prel, J.-B. du, Wachtlin, D., & Blettner, M. (2009). Types of Study in Medical Research. Deutsches Aerzteblatt Online. doi:10.3238/arztebl.2009.0262

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق