الصحة والطب

الجانب المظلم للمثالية

يرى معظم الناس أنّه من الجيّد امتلاكُ معاييرَ عالية في الحياة، وأنَّ السعي إلى التميّز ينمُّ عن مستوًى عالٍ من الأداء في العمل وعن شخصية قوية وثابتة في الحياة، لكنَّ هناك خيطًا رفيعًا بين أن تكون باحثًا عن التميز وأن تكون ساعيًا سعيًا مفرطًا نحو الكمال، فإذا كنتَ تشعر بالاكتئاب والقلق وعدم الرضا عن أي عمل تنجزه مهما بذلت من جهد ووقت ثم تقيّم أيّة نتيجة أقل من المثالية على أنها سيئة؛ وكنت غالباً ما تقارن نفسك بزملائك وتعدُّ نفسك ضعيفًا وغير كفيٍّ إذا اضطررت لطلب المساعدة. وإذا كنت تكترث كثيرًا للانطباعِ الذي تتركه لدى مديريك في العمل وأساتذتك في الجامعة لدرجةٍ تجعلك متوترًا عند ارتكابك خطأً ما أمامهم مهما كان صغيرًا، وتؤجل معظم أعمالك بانتظار الوقت المناسب لإكمالها على نحو مثالي، ولكن غالباً لا يأتي ذلك الوقت، فأنت تجاوزت حد السعي إلى التميز وأصبحت تبحث عن الكمال.

الكمالية “Perfectionism”: هي الميل إلى وضع معاييرَ عاليةٍ جدًّا بحيث إمَّا أنْ تكون مستحيلة التحقيق وإمّا لتحقيقها صعوباتٌ كثيرة.

ويميلُ الباحثون عن الكمال Perfectionists إلى الاعتقاد بأنَّ تحقيق أيّ شيء أقل من المثالية غير مُرضٍ وفظيعٌ وأنَّ أيَّ خطأ يمكن حدوثه سيؤدي إلى كارثة، مما يحوّل أي عمل ينجزونه إلى تحدٍّ مُضنٍ ومحفوف بالمخاطر والخيبات.

ازداد الدافع إلى تحقيق الكمال في الجسم والعقل والمهنة ازديادًا كبيرًا، وخاصة بين طلاب الجامعات اليوم مقارنة بالأجيال السابقة، وخصوصاً منذ ثمانينيَّات القرن الماضي، الأمر الذي قد يكون له أثره على الصحة النفسية والعقلية للشباب، وفقًا لبحث نشرته جمعية علم النفس الأمريكية؛ إذ حلّلَ الباحثان المسؤولان عن الدراسة بياناتِ (41،641) من طلاب الجامعات الأمريكية والكندية والبريطانية، إذ استنبطوا من بيانات (164) عيِّنة ما يُدعى “مقياس الكمالية المتعددةِ الأبعاد”، وهو اختبارٌ يقيس كيفية تبدل معايير “الكمالية”، وذلك لفترة تمتدُّ من أواخر ثمانينيَّات القرن الماضي وحتى عام 2016، وصنفوا بناءً عليه الكمالية إلى ثلاثة أنواع: الكمالية المتمحورة حول الذات (أنْ يكونَ الشخص نفسُه مثاليًّا)، والكمالية الاجتماعية (توقُّعُ الشخصِ من الآخرين أنْ يكونوا مثاليين)، والنوع الثالث هو الكمالية الغيرية (وضع معاييرَ عاليةٍ جدًّا لتقبل الشخص للآخرين من حوله).

وكشفت الدراسة أن نسبة هذه الكمالية بأنواعها الثلاثة ارتفعت في غضون الأعوام الماضية بنسب متفاوتة، وقد عَزَتْ الدراسة هذه الزيادة إلى عدَّة عواملَ كان أهمُّها متطلباتِ الحياة الاجتماعية العصرية ووسائلِ التواصل الاجتماعي والسياسات الحديثة المتبعة في التقييم في مجالات العمل المتعددة والجامعات، والتي خلقتْ جوًّا من التوتر والتنافس والمقارنة لدى فئات الشباب ممَّا دفعهم إلى السعي على نحوٍ متزايد ليكونوا الأفضلَ عن طريق معاييرَ صعبة جدًّا للتحقيق، مما فسّر أيضًا معدلات الحدوث العالية من الاكتئاب والقلق والأفكار الانتحارية عند هؤلاء أكثر من أيّ عقد مضى.

لا تزال الدراسات الحديثة مستمرةً في تأكيدِ أنَّ ثمنَ السعي إلى الكمال يفوقُ الفوائد المرجوَّة بكثير، فقد كشفتْ دراسة حديثة عن اختبار العلاقة بين السعي إلى الكمال والاجتهاد والإنتاجية الأكاديمية لدى مجموعة من الأساتذة في علم النفس وجودَ علاقة إيجابية بين درجة الاجتهاد وعدد الأبحاث المنشورة،  في حينِ كان هذا العدد أقلَّ بوضوحٍ لدى الأساتذة الذين حرصوا جدًّا على الكمال في أعمالهم، وهذه النتيجة انطبقت على جودة محتوى الأبحاث المنشورة أيضًا!

ولكن الكلفة تلك لم تقتصر على جودة العمل ومحتواه؛ ولا على الصحة النفسية فحسب، بل على الصحة الجسدية أيضًا، فقد تبيَّن أنَّ للسعي إلى الكمال أثرًا سلبيًّا على سير العديد من الأمراض المزمنة كالسكري، والتهاب القولون القرحي، وأمراض القلب المختلفة، وذلك بسبب سوء تكيّف هؤلاء المرضى مع المرض.

شجعت العديدُ من الدراسات واضعي السياسات إلى الحدِّ من تشجيع المنافسة بين الشبان والعمل بدلًا من ذلك على تشجيع كل فرد وفقًا لإمكانياته ليكون مُنتِجًا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وأكَّدتْ أهميّةَ التوعية عن الفرْقِ بين السعي إلى التميّز والسعي إلى الكمال وكذلك تأكيد أهميةِ أنْ تبدأ الوقاية في المدارس، لِما لتلك المُشكلةِ من تأثيرٍ على صحة الفرد النفسية والجسدية أوّلًا، ثم على أدائه وفعاليته في المجتمع ثانيًا.

فإذا كنت قد شعرت في أثناء قراءتك المقال أنّك معنيٌّ بذلك؛ وأنك تريد أن تساعد نفسك لتخفيف ذلك الحمل الثقيل يمكنك أن تجرب الأساليبَ الآتية:

1- ابدأ أوَّلًا بتغيير طريقة تفكيرك:

استبدِل بالأفكار الناقدة والمثالية بياناتٍ أكثرَ واقعية وإفادة؛ كأنْ تقول لنفسك: لا أحدَ مثاليٌّ، وكلُّ ما أستطيع فعله هو أقصى جهدي.

2- حاوِل أنْ تنظر إلى الأمور من وجهة نظر الآخرين، فعندما تشعر بالإحراج من موقف ما حاول أنْ تسألَ نفسك: كيف يرى صديقي الموضوع؟

3- ابتعدْ قدرَ الإمكان عن التفاصيل، وحاول أنْ ترى الصورة كاملةً، وستجد أنَّك لست بهذا السوء الذي تعتقد.

4- إذا أخطأتَ وشعرتَ أنَّها ستكون نهاية العالم؛ اسألْ نفسك: ما أسوأ الاحتمالات التي قد تحدث؟ هل سيكون الأمرُ مماثلًا لما هو عليه الآن بعد أسبوع أو شهر أو سنة؟

5- حاول أنْ ترتكبَ بعض الأخطاء الصغيرة وغير المؤذية عن قصد من وقت لآخرَ، وتَعمَّد وضع نفسك في مواقف محرجة، وستجد أنَّك بدأتَ تتقبَّل عيوبَك وأخطاءَك يومًا بعد يوم.

6- حاول أنْ تُجدوِل أعمالك وفق برنامج منظم وواقعي حسب أولويتها والوقت الذي تحتاجه، وبذلك لنْ تؤجّلَها بعد الآن، ودرِّب نفسك على تقبل النقد والتعلُّم منه.

7- أخيرًا؛ كافئ نفسك باستمرار على أيِّ عمل تُكمِلُهُ بنجاح، وتعلَّم كيف تسامحُ نفسَك على الخطأ.

المصدر:

هنا
هنا
هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق