البيولوجي المتطورةالصحة والطبتقنية

الدماغ البشري أمام القضاء

في اليوم الأوَّلِ من شهر آب (أغسطس) عامَ 1966 صعدَ الشابُّ (تشارلز ويتمان) ذو الخمسةٍ والعشرين عاماً عبرَ المصعد إلى الطابقِ العُلويّ من برج جامعة تكساس في أوستن، ثم استقلَّ السلالم إلى سطح المراقبة حاملاً معه أسلحةً و ذخائر، وقتلَ في طريقِه موظَّفَ الاستقبالِ بعَقِبِ بندقيته، ثم أطلقَ النارَ من مكانٍ قريبٍ على عائلتَين من السُّيّاح على السلالم المؤدية إلى السطح، وشرَعَ بإطلاق النار عشوائيّاً من السَّطح على الناس في الأسفل. أطلق النارَ بدايةً على امرأةٍ حامل، وعندما حاول صديقُها مساعدتَها أطلقَ النار عليه هو الآخر، وصوَّبَ النارَ على المُشاةِ في الشارع وسائقِ سيارة الاسعاف الذي وصل إلى مكان الحادث أيضاً.

وكانَ (ويتمان) في الليلة السابقةِ للحادثة قد استخدمَ آلتَه الكاتبةَ لطباعةِ رسالةِ انتحارٍ، وهذا بعضُ ما جاء فيها:

“أنا فعلاً لا أستطيعُ فهمَ نفسي هذه الأيام؛ إذ يُفترَضُ أن أكون شاباً عادياً ومتّزناً، ولكن مؤخراً (ولا أستطيع أن أحدِّدَ بدقّةٍ متى بدأ ذلك) كنتُ ضحيةَ أفكارٍ غيرِ طبيعيةٍ وغير عقلانيةٍ”

وكانت الشرطةُ قد أطلقتِ النارَ عليه بعدَ الحادثةِ وأردَتْهُ قتيلاً، وذلك بعدَ أنْ قتلَ 13 شخصاً وجرَحَ 32 آخرين، وقد احتلت قصَّتُه عناوينَ الصُّحُف المحلية في اليوم التالي. وعندما ذهبتِ الشرطة للبحثِ عن أدلّةٍ في منزله ازداد الموضوعُ غرابةً، فقد كان قد قتلَ والدتَهُ، وطعنَ زوجتَه حتَّى الموت في ساعاتِ الصباح الأولى قبلَ أن يبدأَ بإطلاق النار في الجامعة.

ويتابعُ (ويتمان) في رسالةِ انتحاره: “بعدَ تفكيرٍ مُطوَّلٍ قرَّرتُ أن أقتلَ زوجتي (كاثي) هذه الليلة، أنا أحبها حبًّا جمًّا، وهي أفضلُ زوجةٍ يمكن أن يأملَ رجلٌ بأن يحظى بها، ولا أستطيعُ أن أحدِّدَ أيَّ سببٍ مُعيَّنٍ  لفعلِ ذلك…”.

وفضلاً عن الصدمةِ الَّتي سبَّبتها تلك الجريمةُ؛ كان ثمَّةَ صدمةٌ أُخرى أكثرُ غموضاً ومُفاجأَةً؛ ألا وهي ترافُقُ عملِه المنحرفِ ذاك مع حياتِه اليوميةِ المتوازنة!

لقد كانَ (ويتمان) حاصلاً على رتبةِ النَّسر الكشفيّ Eagle Scout (وهي أعلى رتبةٍ في الكشَّافةِ الأميركية-)، وكانَ جنديَّ بحريّةٍ سابقاً، ودرسَ الهندسةَ المعماريَّةَ في جامعةِ تكساس، إضافةً إلى أنّه عملَ فترةً وجيزةً في أعمالِ الصِّرافةِ في البنوك، وتطوَّعَ للعملِ قائدَ كشَّافةٍ في أوستن، وعندما كان طفلاً بلغَ مُعدَّلُ ذكائِه 138 في اختبارِ الذكاء في جامعة ستانفورد (Stanford-Binet IQ). وبعد جَمعِ كلِّ هذه المعلومات؛ كان الجميعُ بانتظارِ الإجابات.

طلبَ (ويتمان) في رسالتِه الانتحارية أن يخضعَ دماغُه للتشريح؛ لتحديدِ إذا ما كانَ هناكَ أيُّ شيءٍ قد تغيَّرَ، لأنَّه – هو نفسُه – كانَ يشكُّ في ذلك. ومن بين الأشياءِ التي كانَ قد ذكرها أنَّهُ تحدَّثَ في إحدى المرَّاتِ مع طبيبهِ مدَّةَ ساعتَين ومرَّةً واحدةً فقط، نقلَ فيها مخاوِفَه الَّتي شعرَ بها والدوافعَ الكبيرةَ التي تغمرُهُ، ولكن بعد تلك الزيارةِ؛ بقيَ (ويتمان) يحاربُ اضطرابَهُ الذهنيَّ وحيداً ودون جدوى.

نُقِلت جُثّةُ (ويتمان) إلى المَشرحة، ووُضِعت جُمجمتُهُ تحتَ مِنشارِ العظم، ورفعَ الطبيبُ دماغَهُ من مكانه، واكتشفَ أنَّ دماغَ (ويتمان) مصابٌ بوَرمٍ قُطرُه يقاربُ قُطرَ العملةِ النقديةِ من فئةِ (الخمس سنتات)، ويُطلَقُ عليه اسمُ الورمِ الأروميّ الدَّبقي، وقد انتشرَ في منطقةِ “المِهادِ” من الدماغ، وأثَّر على منطقة “تحت المِهاد” أيضاً، ممَّا أدَّى إلى انضغاطِ المنطقة التي تُسمَّى “لوزةَ المخ” والَّتي تشاركُ في التنظيم العاطفي، وخاصةً فيما يتعلق بأمورِ الخوفِ والعدائية.

وكانَ العلماءُ – في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي – قد اكتشفوا أنَّ الضرَرَ الذي يمكنُ أن يُصيبَ اللوزةَ الدماغيةَ يُسبِّبُ اضطراباتٍ نفسيةً وعاطفيةً. وفي ثلاثينيات القرن العشرين؛ اكتشفَ كلٌّ من Heinrich Klüver و  Paul Bucy، أنَّ حدوثَ أيِّ ضرَرٍ في اللوزةِ عند القرود يؤدّي إلى ظهورِ مجموعةٍ من الأعراض تتضمّنُ عدمَ الخوفِ وتثبيطَ العاطفة والإفراطَ في ردِّ الفعل؛ فإناثُ القرود التي تتعرَّضُ لوزتُها الدماغية للتَّلَف تُهمِلُ صغارَها ويُمكِنُ لها أن تُسبِّبَ ضرَراً جسدياً لهذه الصغار.

وأمّا عندَ البشر فيزدادُ نشاطُ اللوزةِ المُخيةِ آنَ ظهورِ وجوهٍ مخيفةٍ أو مُهدِّدةٍ، أو حينَ يُواجهونَ مواقفَ مخيفةً، أو عندَ بدايةِ المعاناةِ من الرُّهابِ الاجتماعي. ويبدو أنَّ ظنَّ (ويتمان) بأنَّ شيئاً في دماغِه قد أثَّرَ على سلوكه كانَ صحيحاً.

وليستِ الحالاتُ المُشابِهةُ لحالةِ (ويتمان) استثنائيةً؛ فالحالاتُ القَضائيَّةُ الَّتي تتضمَّنُ تلَفاً في الدماغ تزدادُ باستمرار، وما يزالُ هناك المزيدُ من المشكلاتِ التي تُكتَشفُ وتُربَطُ بالسلوكِ الشاذ.

ففي حالةٍ أُخرى لرجلٍ يُدعَى (أليكس) يبلغُ من العمر 40 عاماً؛ بدأتْ رغباتُه الجنسيةُ تتغيَّرُ على نحوٍ مُفاجِئٍ، وأظهرَ اهتماماً كبيراً بموادَّ إباحيّةٍ تتعلَّقُ بالأطفال، وقضى وقتَه بين مواقع الإنترنت والمجلّات التي تعرِضُ موادَّ إباحيةً عنهم، وأكثرُ من ذلكَ؛ فقد طلبَ ممارسةَ الجنس في صالونِ تدليك، وهو شيءٌ لم يكن لِيصدُرَ عنه – على حدّ قوله – مضيفاً أنَّه كانَ يريدُ أن يتوقف عن هذه الأفعال، ولكنَّ مبدأَ اللذةِ عندَه كان قد تجاوَز مرحلة الضَّبط. وعندئذٍ بدأَ يحاولُ إخفاءَ أفعالِه، لكنَّ حركاتِه الجنسيةَ المريبة تجاهَ ابنةِ زوجتِه دفعَتِ الأخيرةَ إلى أن تتنبَّهَ وتكتشفَ مجموعةَ صورهِ الإباحيةِ عن الأطفال، وبعدَها أُدينَ بتهمةِ التحرُّشِ الجنسيّ بالأطفالِ، وأُرسِلَ إلى برنامجٍ خاصٍّ بإعادةِ التأهيلِ، لكنَّهُ تحرَّشَ جنسياً بالموظفين هناك، ممَّا استدعى إرسالَه إلى السجن. وفي الوقت نفسه؛ كانَ (أليكس) يشكو من صداعٍ يصيبُه على نحوٍ مُتكرِّرٍ، وفي الليلةِ الَّتي سبقت إبلاغَه بحُكمِ السجن عانى من صُداعٍ قويٍّ ولم يكن قادراً على تحمُّلِ الألم إلى حدٍّ ذهب فيه بنفسهِ إلى غرفةِ الطوارئ، وخضَعَ هناك إلى فحص طبّيٍّ دماغي كشفَ عن وجودِ ورمٍ ضخمٍ في قشرة الدماغ الأمامية المدارية، وعندما أزالَ الجرَّاحون هذه الكتلة عادت رغباتُه الجنسية إلى طبيعتِها. ولكن القصَّةَ لم تنتهِ هنا؛ إذ ما إن مرّت سنةٌ على العمليةِ الجراحيةِ حتّى عادت رغباتُه الجنسيةُ تجاهَ الأطفال لتظهرَ من جديد، واكتشف أخصائيو الأشعةِ أنَّ جزءاً من الورم ما زال موجوداً، ولم يُستأصلْ، وعادَ لينمو من جديد، فخضع (أليكس) لجراحةٍ أخرى وعاد بعدَها سلوكُه إلى الوضعِ الطبيعي.

عندما تتغيَّرُ طبيعةُ جسمِك البيولوجيةُ تتغيَّرُ معها رغباتُك وطرائق اتّخاذ القرار لديك؛ فالدَّوافع المُسلَّم بها كتوصيف ميولك الجنسي مثلاً (منجذبٌ نحو الجنس المغايِر أو مثليُّ الجنس، منجذبٌ نحو الأطفال أو البالغين، عدوانيٌّ أو غيرُ عدواني… الخ)؛ كلُّها تعتمدُ على تفاصيلِ جهازكَ العصبي المعقَّدة، وعلى الرَّغم من أنَّ التصرُّف بما تمليه هذه الدوافع يُعَدُّ حريةَ اختيار؛ لكنَّ نظرةً خاطفةً إلى الأدلَّةِ العلميةِ تُظهِرُ قصوراً في افتراضاتنا.

إنَّ بيدوفيليا (أليكس) المفاجِئة تُحيلُ إلى أنَّ الرغبات والدوافع المخفيّة قد تكمنُ غيرَ ملحوظةٍ خلف الآليّات العصبية للتنشئة الاجتماعية، فعندما تتأذّى الفصوصُ الدماغيةُ الأماميةُ يغدو الناسُ غير منضبطين – ويُعرَفُ ذلك بإزالة التثبيط طبيّا- ويُظهِرونَ سلوكياتٍ غريبةً وصادمةً ، وتبدو “إزالةُ التثبيط” جليّةً عند مرضى الخرَفِ الجبهي الصدغي، وهو مرضٌ مأساويٌّ تتدهورُ فيه الفصوص الأمامية والصدغية من الدماغ، ومعَ فقدان أنسجةِ المخ؛ يفقدُ المرضى قدرتَهم على ضبطِ رغباتِهم الخفية، ويُصابُ المحيطون بهؤلاء المرضى بالإحباط؛ نتيجةَ إقدامِ المريض على خَرقِ الأعراف الاجتماعية بطرائقَ متعدِّدةٍ؛ كسرقةِ المتاجرِ أمامَ أصحابِها، أو التعرّي في الأماكن العامة، أو تناولِ مُخلَّفاتِ الطعام من حاوياتِ القُمامةِ العامّة، أو العدوانيةِ الجسدية والتجاوزاتِ الجنسية، وعادةً ما ينتهي الأمرُ بهؤلاء المرضى في قاعاتِ المحكمة، وحينئذٍ يغدو لِزاماً على محاميهم أو أطبائِهم أو أقاربهم أن يشرحوا للقاضي أنَّ سببَ هذه الانتهاكاتِ التي حدثت هو تدهورٌ في حالةِ الدماغ وأنَّ تناولَ الأدوية لا يشفي من ذلك.

وتُقَدَّرُ نسبةُ المرضى المصابين بالخرَفِ الجبهي الصدغي الذين ينتهكون الأعرافَ العامَّةَ بـ 75% مقارنةً مع 27 % من مرضى ألزهايمر الذين يفعلون ذلك فقط.

ويُمكِنُ أنْ تُسبِّبَ التغيراتُ في كيمياءِ الدّماغ – حتّى إذا كانت صغيرةً جدّاً – تغيّراتٍ سلوكيّةً كبيرةً وغير متوقّعة أيضاً، ونجدُ في المصابين بمرض باركنسون مثالاً على ذلك، ففي عام 2001؛ بدأَ المحيطون بمرضى باركنسون يلاحظون شيئاً غريباً؛ إذ حينَ أُعطيَ المرضى عقاراً يُدعَى (براميبكسول pramipexole) تحوَّلَ بعضُهم إلى مقامرين، بل لم يكونوا مقامرين عاديين، فأحدُهم – وكان يبلغ من العمر 68 عاماً – تسبَّبَ بخسارة 200.000  دولارٍ في غضون ستَّةِ أشهُرٍ في سلسلةٍ من الكازينوهات، وأصبحَ بعضُهم مدمناً على لعبةِ البوكر على الإنترنت، ووصلَ الإدمانُ الجديدُ عند بعضِهم إلى ما وراء المقامرة متمثّلاً في تناولِ الطعام القهري والإفراطِ في شرب الكحول وفرطِ الرَّغبةِ الجنسية.

ولكن؛ ما الذي كان يحدثُ؟ يفقدُ مرضى باركنسون مجموعةً من خلايا الدماغ التي تُنتِجُ ناقلاً عصبيّاً يُسمَّى الدوبامين، وما يفعله عقار (براميبكسول) هو انتحالُ صفةِ الدوبامين. والدوبامين هو مادةٌ كيميائيةٌ تؤدّي دوراً مُزدوَجاً في الدماغ؛ الأوَّلُ هو دورُها في الأوامر الحركية؛ والثاني هو التوسُّطُ في أنظمةِ المكافآت؛ مثلُ توجيهِ الفردِ نحو الطعام والشراب والأصحاب والأشياءِ الأخرى المفيدةِ للبقاءِ على قيدِ الحياة. ولأنَّ دورَ الدوبامين يتمثَّلُ في الموازنةِ بين التكاليف والفوائدِ المترتِّبةِ على القراراتِ المتَّخذةِ؛ فإنَّ أيَّ اختلالٍ في مستواه يُمكِن أن يؤدي إلى العواقبِ السابقِ ذكرُها من مُقامَرةٍ وإفراطٍ في تناول الطعام وغيرها. ويراقبُ الأطباءُ الآنَ هذه التغيراتِ السلوكيةَ بوصفها أثراً جانبيّاً محتمَلاً للعقاقيرِ الطبيّةِ المُستخدَمةِ في العلاج كالبراميبكسول، ولحسن الحظّ؛ فإنَّ الآثارَ السلبية لهذه العقاقير قابلةٌ للعكس، فعندَ تخفيضِ الجُرعةِ تختفي المُقامَرةُ القهرية.

ويغدو الدرسُ المُستفادُ من هذه القصص كافَّةً هو نفسُهُ: لا يُمكِنُ فصلُ السلوكِ البشري عن البيولوجيا البشرية، فإذا كنّا أن نُحبُّ أن نصدِّقَ أنَّ جميعَ النَّاسِ يستطيعون اتّخاذَ قراراتٍ حرّةٍ في سلوكياتهم (كما في قولنا: أنا لا أقامرُ، لأنّني قويّ الإرادة) فإنَّ الحالاتِ السابقةِ – (أليكس) البيدوفيلي، والسارقون المصابون بالخرف الجبهي الصدغي، ومرضى باركنسون المقامرين – ربَّما تشجعّنا على تفحُّصِ وجهاتِ نظرنا بحذرٍ أكبر؛ إذ قد لا يكون كلُّ النّاس متساوينَ في “حريّة” اتّخاذ خياراتٍ اجتماعيّةٍ مناسِبة.   

هل غيَّرَ اكتشافُ الورَمِ الدِّماغي عند (تشارلز ويتمان) من مشاعرِك تجاهَ جرائمِ القتل التي ارتكبَها؟ وهل غيَّرَ وجودُ هذا الورم من نظرتكِ إلى قُدرتِه على اتِّخاذ قراره وتحمُّلِ مسؤوليةِ صوابِه من خطئِه؟ ثمَّ ألا يُمكنُ أن تكونَ أنتَ ببساطةٍ غير محظوظٍ كفايةً ليتطوَّر لديك ذاكَ الورمُ فتفقدَ السيطرةَ على سلوكك؟!

ومن ناحيةٍ أُخرى، أليسَ خطيراً أن نستنتجَ أنَّ كلَّ مَن يعاني من ورمٍ دماغيّ هو متحرِّرٌ من الذنبِ ولا يتحمَّلُ مسؤوليةَ أيّةِ جريمةٍ يرتكبُها؟

مع تحسُّنِ فهمِنا للدماغِ البشري تقفُ هيئاتُ المحلفين أمامَ تحدٍّ متزايدٍ يتمثّلُ في أسئلةٍ من هذا النوع، وعندما يمثُلُ الجاني أمام القاضي يسعى النظامُ القانونيُّ أن يعرفَ حقاً: هل الجريمةُ هي خطؤُه أم خطأُ بيولوجيَّتِه؟

من المؤكَّدِ أنَّ هذا السؤالَ هو سؤالٌ خاطئ، وأنَّ الخياراتِ التي نضعُها لا يمكن فصلُها في دوائرِ أدمغتنا العصبية، وبذلكَ فليسَ لدينا طريقةٌ مجديةٌ للفصلِ بين المفهومَين، وكلما تعلَّمنا أكثرَ أصبحَ توجيهُ اللوم أكثرَ تعقيداً وزادَ التكلُّفُ في نظامِنا القانوني.

وإذا بدا من الشرحِ الآنِفِ أنَّنا نسيرُ في اتجاهٍ غير مريح – ينزَعُ إلى السماح للمجرمين بالإفلاتِ من العواقب – فسوف نعرضُ منطقَ حُجَّةٍ جديداً؛ وخُطوةً تلوَ خُطوةٍ؛ لنصِلَ إلى نتيجةٍ مفادُها أنّنا نستطيعُ بناءَ نظامٍ قانوني أكثر استنارةً بالارتكازِ إلى العلم. وإن كنّا سنستمرُّ في إلقاء القبضِ على المجرمينَ في الشوارع فإنّنا سنجعلُ العقوبةَ مخصصةً (حسب الجريمة)، وسنستغلُّ الفُرصَ الجديدةَ لإعادةِ التأهيل، وسوف نقدّمُ حوافزَ أفضلَ للسلوك الجيد أيضاً.

تُرشِدُنا الاكتشافاتُ في علم الأعصاب نحو طريقةٍ جديدةٍ في تطبيقِ القانون والنظام، وسيؤدّي ذلك إلى نظامٍ أكثرَ فاعليّةً في التكلفةِ وأكثرَ إنسانيةً ومرونةً ممَّا هو لدينا اليوم؛ فعندما نضعُ معطياتِ علم الدماغ الحديثةَ بوضوحٍ سيكونُ من الصعبِ استمرارُ النظام القانوني دونَ أن يأخذ ما تعلَّمْناه بالحُسبان.

يُفضِّلُ العديدُ من الناسِ الاعتقادَ أنَّ جميعَ الأفرادِ البالغين يمتلكون قدرةً متساويةً في اتّخاذِ القرارات السليمة، وربَّما تكونُ هذه فكرةً ذاتَ طابعٍ إنسانيٍّ خيّر، ولكن من الواضحِ أنَّها فكرةٌ خاطئةٌ؛ لأنَّ أدمغةَ الناس تختلفُ بعضَهاعن بعضٍ اختلافاً كبيراً، وسنناقشُ ذلك معاً.

بدايةً لا بدَّ من أن يكونَ لديك القدرةُ على الفهمِ والإدراكِ لِما سنعرضُ، فإذا كنتَ تعتقد أنَّ الجيناتِ لا تؤثّر على الكيفيّة التي يتصرَّفُ بها البشرُ فإليكَ الحقيقةَ الآتية: إذا كنت تحملُ مجموعةً مُحدَّدةً من الجينات فسوف ترتفعُ لديكَ احتماليَّةُ ارتكابِ جريمةٍ عنيفةٍ ما بمقدارِ أربعةِ أضعافٍ مقارنةً مع حالِ افتقارِكَ لها، فمن المُرجَّح أنَّ احتمالَ ارتكابكَ جرائمَ سرقة سيزيدُ بمقدارِ ثلاثة أضعاف، واحتمالَ ارتكابكَ اعتداءً عنيفاً سيزيدُ خمسةَ أضعاف، واحتمالَ إلقاء القبض عليك بتهمة القتل سيزيدُ ثمانية أضعافٍ، وسيزيد احتمالُ اعتقالكَ بجُرمِ الاعتداء الجنسيّ بثلاثة عشر ضعفاً!

إنَّ الغالبيةَ العُظمَى من السجناء عموماً و 98.1 % من السجناءِ المحكوم عليهم بالإعدام خصوصاً يحملون هذه الجينات، وتشيرُ هذه الإحصائيةُ وحدَها إلى أنَّه من غير المعقولِ أن تفترضَ أنَّ كلَّ مَن يأتي إلى طاولة المحاكمة متساوون في الدوافع والسلوكيّات.

ويعودُ بنا هذا إلى درسٍ أكبرَ في علمِ الأحياء؛ وهو أنَّنا لسنا نحن مَن يمسك بدفَّة قيادة سلوكيّاتنا؛ على الأقلّ ليسَ بَقدر ما نعتقد، فنحنُ – القادرين على قيادةِ تصرُّفاتِنا الواعية – تعودُ تفاصيلُ قدرتِنا تلك إلى ما قبل ولادتنا، وذاك عندما نتَجنا من اجتماعِ حيوانٍ منوي مع بويضةٍ ما، فاكتسبنا سماتٍ وصفاتٍ مُحدَّدةً بذاتِها، ونحن من بدأْنا من جزيئاتٍ وسلسلةٍ من الشيفرات التي كُتِبت بمجموعةٍ من أحماضٍ صغيرةٍ غيرِ مرئية، ولم يكن لدينا أيّةُ علاقةٍ بهذا التشكُّلِ والترتيب، فكلُّ واحدٍ منّا هو – جزئياً – نتاجُ تاريخٍ مجهري يتعذَّرُ الوصول إليه، وبالمناسبةِ؛ فإنَّ تلكَ المجموعةَ من الجيناتِ الخطيرة التي تكلَّمنا عنها محمولةٌ على كروموسوم يدعى (Y)، فإذا كنتَ تحملُه فإنَّنا ندعوكَ ذكَراً.

والجيناتُ هي جزءٌ من القصّة وليست القصةَ كلَّها، فنحنُ نتأثَّرُ بالبيئة التي ننشأُ بها أيضاً، وهناك أمورُ أخرى لا يجبُ إهمالُها؛ كإساءةِ استخدام العقاقير في أثناءِ الحمل، والإجهادِ الذي تتعرَّضُ له الأمُّ، ونقصِ وزننا عند الولادة، وكلُّها عواملُ تؤدّي دوراً في كيفيةِ تحوُّلِ الطفلِ إلى فردٍ بالغ.

ومع مراحلِ نموّ الطفلِ يُمكِن لأيٍّ من الإعاقةِ أو الإهمال الجسدي أو إصابات الرأس أن تعيقَ النموَّ العقلي، ويمكن للبيئةِ المحيطةِ أن تؤثِّرَ أيضاً، فمثلاً؛ انبثقَت حَركاتٌ رائدةٌ في مجالِ الصحة العامة دعَت إلى القضاء على الدّهانات التي تحتوي على الرصاص؛ إذ ثبتَ أنَّه يُمكِنُ للرِّصاصِ أن يسبِّبَ تلفاً للدماغ، ممَّا يجعلُ الأطفالَ أقلَّ ذكاءً في معظمِ الحالات، وأكثر اندفاعاً وعدوانيةً في حالاتٍ أخرى. إضافةً إلى أنَّ كلَّ تجرِبةٍ في حياتِنا يُمكنُها أن تُنشِّط مجموعةً من الجينات، وأن تُوقِفَ مجموعةً أخرى عن العمل، الأمرُ الذي يؤدّي بدوره إلى إنتاج سلوكياتٍ جديدةٍ، وفي هذه الحالةِ يتضافرُ دورُ الجيناتِ مع البيئة في التأثيرِ على السلوك. وعندما يتعلَّقُ الموضوع بالطبيعة والتغذية فإنَّ النقطةَ المُهمَّةَ هو أنَّنا لا نستطيع اختيار واحدةٍ دونَ الأخرى.

وما نخلَصُ إليه من هذه المناقشة هو أنَّه عندَ بدايةِ تشكُّلِنا امتلكَ كلٌّ منّا مُخطَّطاً جينيّاً فريداً، ثمَّ وُلِدَ في عالمٍ تحكمُه ظروفٌ لا يُمكِننا التحكُّمُ بها؛ خاصّةً في السنواتِ الأولى لنشأتِنا وتشكُّلِنا، ثمّ تأتي التفاعلاتُ المُعقَّدةُ للجينات مع البيئة لتخبرنا أنَّ جميعَ المواطنين – الذين قررنا أنّهم متساوون أمام القانون – يمتلكونَ وجهاتِ نظرٍ مختلفةً وشخصياتٍ متباينةً وقدراتٍ متنوعةً في صنع القرار.

وهنا لا بدَّ من تحصيل النتيجةِ الآتيةِ: إنَّ الأنماطَ الفريدة للتركيبِ العصبيّ الموجودِ داخلَ رأسِ كلٍّ منّا لا يمكنُ أن نحدّدها بوصفها “خياراتٍ” في أيدينا، وإنَّما هي مجموعةٌ “مُحدَّدةٌ سلفاً” علينا التعاملُ معها ضمن حدودها.

       لم يختَرْ أيٌّ مِنّا نماذجَ البيولوجيا العصبيّةِ الفريدة التي يمتلكها، وإنَّما فُرِضَت علينا. ولأنّنا لم نختَرِ العواملَ المؤثِّرةَ على تشكُّل دماغنا و بنائه فقد أصبحت مفهوماتٌ من قبيل الإرادةِ الحُرَّةِ والمسؤوليةِ الشخصية موضعاً للتساؤل، فهل من المنطقي أن نقولَ أنَّ (أليكس) اتَّخذَ خياراتٍ خاطئةً غلى الرغم من أنَّ الورمَ الدماغيَّ الذي أصابَه لم يكن ذنبه؟ وهل منَ الممكنِ تبريرُ اعتقادِنا بوجوبِ معاقبةِ مرضى الخرَفِ الجبهي الصدغي ومرضى باركنسون على سلوكهم السيّئ؟
       من الخطأِ أن تتخيّلَ وجودَك في موضعِ شخصٍ يخالفُ القانون فتقول: “حسناً؛ لم أكن لأفعلَ ذلك!”، فأنتَ إنْ لم تتعرَّض للكوكائين في أثناءِ نموِّكَ في رحم أمك؛ ولم تتسمَّمْ بالرصاص؛ ولم تتعرَّض للإساءة الجسدية؛ فإنَّه قد عانى من ذلك، لذا فأنتما غيرُ قابلَين للمقارنةِ المباشرة؛ إذ لا يمكنكَ أن تضعَ نفسَكَ مكانَه.
      يستندُ النظامُ القانونيُّ إلى فرضيةٍ تقترحُ أنّنا “مُفكِّرون عمليّون”؛ وهو مصطلحٌ فنيٌّ يفترضُ وجودَ الإرادة الحرَّةِ في الأساس، ويرتكزُ ذلك إلى فكرةِ أنَّنا نستخدمُ التفكيرَ الواعي لِنتَّخذَ قراراً معيَّناً عن كيفيةِ التصرُّف؛ أي إنَّنا – وفي غيابِ الضغوطِ الخارجية – نتَّخذُ قراراتٍ بِحُريَّةٍ، وهكذا فمفهومُ “المفكِّرِ العمليّ” قد يكونُ بديهياً لكنّه إشكاليٌّ.
     وإنَّ فكرةَ وجودِ الإرادةِ الحُرَّةِ في السلوكِ البشريّ هي موضوعُ صراعٍ موغِلٍ في القِدَم، وترتكزُ الحُججُ المُسانِدةُ لحريّة الإرادة إلى الخبراتِ الشخصيةِ المُباشرةِ؛ “أشعرُ كأنّي اتَّخذتُ القرار برفعِ إصبعي الآن”؛ لكنَّ تقييمَ الإرادة الحرة يتطلَّبُ التمييز الدقيق لِما يكمنُ خلف بديهيّاتنا المباشرة.
      لنأخذ مثلاً اتّخاذَ قرارٍ بتأديةِ حركةٍ ما أو نطقِ كلامٍ؛ فسوف يبدو وكأنَّ إرادتَك هي التي تدفعُكَ إلى مدّ لسانِك أو تقطيبِ وجهِكَ عابساً أو نبزِ أحدِهم بلقبٍ ما، لكنَّ تأديةَ أيٍّ من هذه الأفعال لا تتطلَّبُ وجودَ الإرادةِ الحرة، فمثلاً؛ يعاني المصابون بمتلازمة “توريت” من القيامِ بحركاتٍ وأصواتٍ لا إراديّة، فمريضُ متلازمةِ “توريت” النموذجيُّ قد يمدُّ لسانَه أو يُقطِّبُ وجهَه أو يطلق على أحدهم لقباً ما دونَ أن يتَّخذَ قراراً بفعلِ ذلك.
     هناك أمران يُمكنُ تعلُّمُهما من مَرضى “توريت”؛ الأوُّلُ هو إمكانيةُ حدوث الأفعالِ في غيابِ الإرادة الحرة، والثاني هو عدمُ قدرةِ مريض “توريت” على ضبطِ حريّتِه؛ إذ لا يُمكنُ لمريض “توريت” استخدامُ إرادتِه لمعاكسةِ ما قد قرَّرت أجزاءُ العقلِ الباطن في دماغِه فعلَه، ولا يمكنهُ السيطرةُ عليها، فالشيءُ المشتركُ الوحيد بين هذَين الأمرَين هو فقدانُ الشخصِ صفةَ ” الحرية”؛ إذ تُمثِّلُ متلازمةُ “توريت” حالةً تفعلُ فيها الآلياتُ العصبيةُ الرئيسةُ ما تشاءُ، ويتّفقُ الجميعُ على أنَّ المسؤوليةَ لا تقعُ على عاتقِ المريض.
     وتحدثُ الظاهرةُ نفسُها عندَ المصابين بِما يُسمَّى “داءَ الرُّقاص”، وتكون فيه حركاتُ ذراعَي المريض وساقَيه ووجهِه لاإراديّةً مع أنَّها تبدو إراديةً. سَلْ إحدى المريضات عن سببِ تحريكِها أصابِعَها إلى الأعلى والأسفل فسوف تجيبكَ بأنَّها لا تستطيعُ السيطرةَ على يدِها؛ فهي غيرُ قادرةٍ على منعِ هذه الحركات. وفي حالةٍ مماثِلةٍ أيضاً؛ يتطوَّرُ لدى بعضِ مرضى متلازمةِ “الدماغ المشطور” (أي الخاضعينَ لعمليّةٍ جراحيةٍ فُصِلَ فيها نصفا الكرتَين المخيَّتين عن بعضهما) ما يُسمَّى بمتلازمةِ اليد الغريبة: فمثلاً؛ بينما تعقدُ إحدى اليدَين أزرارَ القميص فإذا تفكُّها الأُخرى، أو بينما تحاولُ إحدى اليدَين أخذَ القلم فإذا ترميه الأُخرى، فمهما حاوَلَ المريضُ جاهداً فإنَّه لن يستطيعَ إيقافَ تحرُّكاتِ يده الغريبة؛ أي إنَّ الحركاتِ ليست بمحضِ إرادته حتَّى يتمكَّنَ من تأديتِها أو إيقافِها بِحريَّتِه.
      لا تنحصرُ الأفعالُ اللاإراديةُ في صياحٍ غيرِ مقصود أو ذراعٍ تعصي صاحبَها، بل قد تُفاجِئُنا بمدى تعقيدِها، ولنأخذ قصةَ كينيث بارك مثالاً، وهو شابٌّ كنديٌّ بعمرِ ٢٣ عاماً، ومتزوِّجٌ ولديهِ طفلةٌ عمرُها ٥ أشهرٍ وتجمعُه علاقةٌ مُقرَّبةٌ مع أهلِ زوجتِه (كانت تصفُه حماته بأنَّهُ العملاق اللطيف). وبعدَ معاناة “كينيث” من مشكلاتٍ مالية وزوجيّة ومنِ الإدمانِ على لعبِ القمار؛ قرَّرَ الذهابَ إلى بيتِ حموَيه لِيحدِّثَهم عن مشكلاته.
      وفي الساعاتِ المبكّرة من ٢٣ أيار عام ١٩٨٧م نهضَ كينيث عن الأريكةِ التي كان قد غفا عليها، لكنَّهُ لم يكن مستيقظاً، وإنَّما سارَ في نومِه وركبَ سيارتَه وقادَها مسافةَ ١٤ ميلاً حتَّى وصلَ إلى بيتِ حموَيه، وحينئذٍ اقتحمَ المنزلَ ثمَّ طعن حماتَه واعتدى على حَميه، فتُوفّيَت حماتُه وتمكَّن حَموه من النجاة، وبعد ذلك؛ ذهبَ “كينيث” بنفسِه إلى مخفر الشرطة، وعندَ وصوله قالَ:”أعتقدُ أنَّني قد قتلت أشخاصاً”، ثمَّ نظرَ إلى يدَيه لِيدركَ أنَّهما مجروحتان بشدّةٍ. وقد بقيت شهاداتُ “كينيث” على مدى العام التالي متطابقةً، وحتَّى مع وجودِ العديدِ من المحاولات لتضليله؛ فهوَ لم يتذكَّرْ أيَّ شيءٍ من الحادث.
     اتَّفقَتْ جميعُ الأطرافِ أنَّ كينيث – بلا شكٍّ – قد ارتكبَ تلك الجريمةَ، لكنَّهم اتّفقوا أيضاً أنَّه لم يكن لديه أيُّ دافعٍ لِما اقترفه؛ إذ دافعَ محاميه عنه بتأكيدِه أنَّها حالةُ قتلٍ في أثناءِ السير النوميّ المعروفِ بالسَّرنَمة (وتعني السيرَ في أثناءِ النوم) قد كانت قاتلةً، وعلى الرّغم من أنَّ النُّقادَ أطلقوا عليه لقبَ “المُزيِّف”؛ لكنَّ ظاهرةَ السَّرنَمة هي ظاهرة مُثبَتة. وفي ٥ أيار من عام ١٩٨٨ وبعدَ أن أُخِذت بالحُسبانِ تخطيطاتُ دماغِ “كينيث”الكهربائيةُ؛ وصَلتْ هيئةُ المحلَّفين إلى الاقتناع بأنَّ أفعالَه لم تكُنْ بإرادته، فأُعلِنَ عن براءتِه.
    وكما هي الحالُ عندَ مرضى متلازمةِ توريت ومرضى الدِّماغ المشطور وداءِ الرُّقاص؛ توضحُ حالُ “كينيث” أنَّ التصرفاتِ التي تتطلَّبُ مهاراتِ تفكيرٍ عليا قد تحدثُ في غيابِ الإرادة الحرة أيضاً؛ إذ تستطيعُ الآلياتُ العصبيةُ أن تعملَ ذاتياً/تلقائيّاً كضرباتِ القلب والبلع وَرَمشِ العينَين. ولكن يغدو لبُّ السؤال هو: أَتحدثُ جميعُ أفعالِنا ذاتياً في أساسها أم أنَّ هناكَ جزءاً صغيراً منّا يمتلك “حرية” الاختيار مستقِلّاً عن قوانين البيولوجيا؟
    طالَما كانت هذه الفكرة نقطةً خلافيةً عالقةً لدى كلٍّ من الفلاسفةِ والعلماءِ على حدٍّ سواء؛ إذ لا توجد أساساً أيّةُ منطقةٍ من الدماغ ِغيرَ متصلةٍ اتصالاً مُحكماً بباقي المناطق (مع ما يتبعُ هذا الاتصال من قيادة و توجيه)، وهذا يوجِّهُنا بدوره إلى عدم وجود أيّةِ منطقةٍ مستقلّةٍ في الدماغ؛ أي لا توجد أيّةُ منطقةٍ “حرّةً”. ويجدُ العلمُ الحديثُ صعوبةً في إيجادِ فجوةٍ لتنسلَّ منها الإرادةُ الحرّة – المسبِّبةُ غيرُ الناتجةِ عن سبب – إذ يبدو أنَّه لا يوجَدُ جزءٌ من هذه الآلياتِ منفصلٌ عن الأجزاء الأخرى.
    قد تكونُ الإرادةُ الحرَّةُ موجودةً؛ لكنَّها ربَّما ما تزالُ أبعدَ ممَّا وصلَ إليه علمُنا الحاليُّ، فالشيءُ الوحيدُ المؤكَّدُ هو أنَّها إذا كانت موجودة حقاً فهي لا تمتلكُ سوى نطاقٍ ضيقٍ للعمل، وهي في أفضل الأحوال تُشكِّلُ عاملاً صغيراً جداً بينَ شبكاتٍ عصبيةٍ مُعقَّدةٍ رسمَتها المورِّثاتُ والبيئة. وحقيقةً فقد تتناهى الإرادةُ الحرَّةُ إلى صِغَرٍ يصبح فيه تفكيرُنا عن اتِّخاذ قرارٍ سيّئ يماثلُ تفكيرَنا عن أيَّةِ عمليّةٍ جسديّةٍ؛ كالسُّكَّري والأمراض الصدرية.
    تقعُ دراساتُ الدماغِ والسلوك في وسطِ تحوَّلاتٍ مفهوماتيّة نوعيّة، فقد اتَّفق الأطباءُ والمحامون – عبر التاريخ – على وجودِ فروقٍ أساسيةٍ بين الأمراض العصبية (مشكلاتِ الدماغ) والاضطراباتِ النفسية (مشكلاتِ العقل والتفكير). وإذا ما عدنا إلى القرن العشرين سنجدُ أنَّ معاملةَ المرضى النفسيين بقسوةٍ لأجل “تقويتهم” كان إجراءً متداولاً، وذلك بتعريضِهم للحِرمانِ والذل والتعذيب، وكما هو متوقَّع؛ لم يُجدي هذا الإجراء أيَّ نفعٍ، فعلى الرغم من أنَّ الأمراضَ النفسية تنتجُ عن أمراض الدماغ الأقلِّ وضوحاً؛ لكنَّها لا تزالُ مبنيّةً على تفاصيلِ الدماغ البيولوجية.

الدماغ البشري تحت المحاكمة (الجزء الثاني)

    بماذا نعلّل انتقالَ التّهمةِ من اللوم (تخطئةِ المُذنِبِ) إلى علم الأحياء؟
   ربَّما تمثّلُ فعاليّةُ العلاجاتِ الدوائيةِ الدّافعَ الأكبر لانتقالٍ كهذا؛ إذ لا يُمكِنُ التخلُّصُ من الاكتئابِ بواسطةِ أيِّ مقدارٍ من الترهيب، بل بكبسولةٍ صغيرةٍ تُدعى Fluoxetine وهي ما يؤدّي الغرضَ المنشود، كما لا يُمكنُ التغلُّب على أعراضِ انفصامِ الشخصية عن طريقِ جلساتِ طردِ الأوراح، بل يُمكِنُ التحكُّم بها بدواءٍ يُدعَى Resperidone، وأمَّا الهوَسُ فلا يستجيب للعلاجِ بالكلام أو بالعَزل بل بالليثيوم. وهذه النجاحاتُ الَّتي عُرفت أغلبُها في السنواتِ الستين الأخيرةِ قد أكَّدت عدمَ جدوى تسميةِ بعضِ الأمراضِ بالاضطراباتِ الدماغيَّةِ أو نسبِ بعضِها الآخر إلى عالمِ الأمراضِ النفسيّة العصيّ على الوصف. وبالمقابلِ فقد أصبَحنا نقاربُ الاضطراباتِ الذهنيةِ والفكريةِ كما نقاربُ قدماً مكسورةً تقريباً، ويدعونا عالم الأعصاب Robert Sapolsky إلى التأمُّل في هذا التحوُّل المفهوميّ عبرَ عدَّةِ أسئلة: “هل غرقُ المحبوبةِ في الاكتئابِ إلى درجةٍ تعيقها عن تأدية وظائفها يُعَدُّ مرضاً ذا أسسٍ كيميائيةٍ حيويةٍ حقيقيةٍ كما هي الحال في الداء السكري؟ أم هي مجرّدُ منغمسةٍ في ذاتهِا؟ وهل تحصيلُ الطفلِ الدراسيُّ السيئُ ناتجٌ عن بُطئه وانعدامِ الحافز لديه؟ أم هو نتيجةُ عدم القدرةِ على التعلُّم ذاتِ المنشأِ العصبي البيولوجي؟ وهل انجرافُ صديقٍ ما نحوَ الإدمان بسببِ ضعفِ ضبطِ النَّفس لديه هو معاناةٌ من مشكلاتٍ في الكيمياء العصبيّةِ لإحساس المكافأةِ؟”.

    لا يمكنُ تفسيرُ الأفعالِ بمعزلٍ عن بيولوجيا الأشخاص الفاعلين-ويترتّبُ على هذا الإقرار آثارٌ قانونيةٌ؛ فها هو Tom Bingham؛ رئيسُ القضاةِ البريطانيُّ السابق؛ قد صاغَ لنا الأمرَ بهذه الطريقة من قبلُ: “نزعَ القانونُ في الماضي إلى الاستنادِ في مقاربتهِ على سلسلةٍ من الافتراضاتِ الخامِ التي تنصُّ على أنَّ البالغين ذوي المقدراتِ العقلية الكافيةِ يملكون حريةَ الاختيار للتصرّف على هذا النّحو أو ذاك، بل ويتوقَّعُ منهم التصرُّفِ بعقلانيةٍ تتماشى مع مصلحتِهم الشخصية، ثمَّ يُحاسَبون تبعاً لنتائجِ هذهِ الأفعال المُرتقَبةِ منهم، وذاكَ بالقياسِ إلى أيِّ شخصٍ عقلانيٍّ يوُضَعُ في موقفهم ذاتِه؛ إذ يُؤخَذ عليهم أنَّهم يعنون ما يقولون. ويتضّحُ أنَّ هذهِ الافتراضات لا تقدِّمُ دليلاً موحِّداً ودقيقاً حيالَ السلوكِ الإنساني مهما كانتِ المزايا والعيوب في افتراضاتٍ كهذه تدور في فلَك الحالات العادية”.

   كلَّما تعلَّمْنا أكثرَ عن الداراتِ الدماغيةِ العصبية خطونا بعيداً عن الاتهاماتِ بالانغماس وانعدامِ الحافز وضعفِ ضبطِ النفس، واتَّجهنا نحو الاعتمادِ على تفاصيلِ البيولوجيا. ويعكسُ الانتقالُ من المَلامةِ (تخطئةِ المُذنبِ) إلى العلم استيعابَنا الحديثَ لفكرةٍ تفيدُ بأنَّ إدراكَنا وسلوكَنا موجَّهٌ ببرامجَ عصبيةٍ مترسّخةٍ عميقاً.

    تخيَّلْ طيفاً من الملامةِ (فضاءَ إدانةٍ)؛ نَجِدُ على أحد طرفَيه أناساً مثل (أليكس) الغلمانيّ أو مريضاً يعاني من الخرف الجبهي الصدغي يتعرَّى في العلن، وقد عانى أولئك الناسُ – في نظر هيئة المُحلَّفين والقاضي – من أذيَّةٍ دماغيّةٍ على يدِ القدر دون أن يكونَ لديهم خيارٌ في وضعهم العصبيّ؛ ثمَّ على الطرفِ الآخر لطيفِ المَلامةِ هذا – طرفِ استحقاق اللوم على خط “الخطأ”- نَجِدُ المجرمَ العادي الذي يخضعُ دماغه لقليلٍ من الدراسة، والذي قد تستطيعُ تقنياتُنا الراهنةُ كشفَ القليل عنه. وهنا فإنَّ معظمَ مخالِفيّ القانون يقعون في هذا الطرف من الخط؛ لعدمِ وجودِ أيِّ اضطراباتٍ بيولوجيةٍ واضحةٍ أو قابلةٍ للقياس؛ أي يُعَدّون أشخاصاً فاعلين يتمتَّعون بِحُريَّةِ الاختيار.

    يستهدِفُ مثلُ هذا الطيفِ “الحدسَ العامَّ” لدى هيئةِ المُحلَّفين الآخذِ بالحُسبانِ موضوعَ استحقاقِ اللوم، ولكنّنا نجدُ مشكلةً عميقةً في هذا الحَدس؛ لأنَّ التقنيّاتِ ستستمرُّ في التطور، وسوفَ تزدادُ القدرةُ على كشف الاضطراباتِ الدماغيّةِ وقياسِها، وبذلك سينحرفُ خط “الخطأ” إلى منطقةِ الأشخاصِ الَّذين نحمِّلهم حالياً المسؤوليَّة كاملةً عن جرائمهم؛ فالاضطراباتُ المُبهمةُ اليومَ ستتضِّحُ لاحقاً بواسطةِ التقنياتِ الجديدةِ، وقد نَجِدُ مستقبلاً أنَّ للعديدِ من السلوكيّاتِ السيِّئة تفسيراً بيولوجيّاً؛ كما هي الحالُ في انفصامِ الشخصيةِ والصَّرَعِ والاكتئابِ والجنون.

    يُعَدُّ التصويرُ العصبيُّ اليومَ تقنيّةً جديدةً غضَّةً غيرَ قادرةٍ على تفسيرِ تفاصيلِ السلوك الفرديّ؛ إذ يمكن أن نكشفَ الاضطراباتِ الكبيرةِ والمُهمِّةِ فقط، ولكنّنا سنكونُ قادرين في العقود القادمةِ على اكتشافِ أنماطٍ لامتناهيةٍ في الصغر من الداراتِ المِجهرية المُرتبطةِ باضطراباتٍ سلوكية، وسيكون علمُ الأعصاب أفضلَ قدرةً على كشفِ ميلِ الأشخاصِ إلى التصرُّفِ بطريقةٍ مُعيَّنة؛ فكلّما تمرَّسنا في تحديدِ كيفيةِ حدوثِ السلوكِ انطلاقاً من التفاصيل الدماغيةِ المجهريةِ كَثُرَ محامو الدفاعِ الذين سيتَّخذون البيولوجيا ذريعةً لتخفيفِ الذَّنب، وكذلك ستميلُ هيئةُ المُحلَّفين إلى تبرِئَتِهم ووضعِهم على الطرفِ غيرِ المُستحقِّ للَّوم من الخطِّ السابق.

    ويضعُنا هذا في موقفٍ غريبٍ؛ إذ لا يُمكِنُ للنظامِ القضائيّ العادلِ أن يُحدِّدَ المسؤوليةَ والذَّنبَ تبعاً للحدود التقنيةِ الحالية، وما تزالُ الشهادةُ الطبيةُ الخبيرة (في المحكمة) لا تعكسُ عموماً إلَّا إعطاءَ أسماءٍ ومقاييسَ للمشكلةِ فحسبُ، وليس إذا كانتِ المشكلةُ موجودةً أصلاً؛ أي لا يُمكِنُ أن نَعُدَّ أنَّ النظامِ القضائيّ يعطي معنىً واضحاً للمسؤوليةِ إذا كان يَعُدُّ الشخصَ مذنباً في بدايةِ عَقدٍ ما وبريئاً في نهايته.

     وبهذا لم يَعُدْ جوهرُ المشكلةِ أن نسألَ: ” إلى أيِّ مدىً كانتِ البيولوجيا مسؤولةً عن أفعالِه؟ وإلى أيِّ مدى كان هو المسؤولَ عنها؟”، وذاكَ لأنَّنا نفهمُ الآن أنَّه ما مِن تمييزٍ ذي معنى بين بيولوجيا الشخصِ وصنعِه لقرارِه؛ فهما أمران لا ينفصلان.

    وبينما يرسو شكلُ العقوباتِ الراهنُ على أرضيّةٍ من الإرادةِ الذاتية ولومِ الذات فإذا بفهمِنا الحديثِ للدماغ يقترحُ مقاربةً أُخرى تتضمَّنُ وجوبَ إزالةِ مفهومِ استحقاقِ اللوم من اللغة القانونية، والذي يُعَدُّ مفهوماً رجعيّاً يتطلَّبُ مَهمَّةً مستحيلةً في تفكيكِ شبكةِ الجيناتِ والبيئةِ المُعقَّدةِ والميؤوسِ منها؛ والتي تبني مسارَ حياة الإنسان.

     وعوضاً عن المجادلةِ في اللومِ والمسؤوليةِ يجبُ التركيز أكثرَ على ما يجبُ فعلُه؛ ألا وهو المضيُّ قدماً مع المتَّهمِ بخرقِ القانون؛ إذ أقترحُ أنَّه على النظامِ القانوني أن يمتلكَ رؤيةً مستقبليّةً، لأنَّه لم يَعُدْ ممكناً أن يكونَ غيرَ ذلك في المقامِ الأول، ونظراً لأنَّ العلم يعقِّدُ موضوعَ المسؤولية فسوف تحتاجُ سياساتُنا القانونيةُ والاجتماعيةُ أن توجِّه انتباهَها نحوَ مجموعةٍ أُخرى من الأسئلة: “كيف سيميلُ الشخصُ إلى التصرُّفِ في المستقبل؟ وهل ستتكرَّرُ الأفعالُ الإجراميَّةُ؟ وهل يُمكِنُ توجيهُ هذا الشخصِ نحوَ السلوكِ الاجتماعي؟ وكيف يُمكنُ للحوافزِ أن تُبنى واقعيّاً لردعِ الجريمة؟”.

   سيكونُ التغييرُ المُهمُّ مرتكزاً إلى طريقةِ التعامُلِ مع مجالِ الأعمال الإجراميةِ الواسعِ، ولن يُبرِّئَ التفسيرُ البيولوجيُّ المجرمين من جرائمهم، ولكنَّنا سنزيلُ من المجتمع مخالفيَّ القانون الذين يُظهِرونَ العدوانيةَ المُفرِطةَ وضعفَ التعاطُفِ وضعفَ ضبطِ اندفاعاتِهم. ولنفترض مثلاً أنَّ غالبيّةَ القاتلين المتسلسلين المعروفين قد تعرَّضوا للاستغلالِ وسوءِ المعاملةِ عندما كانوا أطفالاً؛ فهل سيجعلُهم هذا أقلَّ تحمُّلاً لِلَّومِ والمسؤولية؟ ومَن سيهتمّ بذلك؟-إنّه السؤال الخطأ؛ إذ إنَّ معرفتنا بظروف استغلالهم هذه سوف تشجِّعُنا على دعمِ البرامجِ الاجتماعية التي تمنعُ سوءَ معاملةِ الأطفال، ولكنَّها لن تغيَّرَ شيئاً من كيفيةِ التعامُلِ مع هؤلاءِ القَتَلة عندما يَمثلون أمام القضاء، وسنبقى بحاجةٍ إلى إبعادِهم عن المجتمع دونَ أخذِ ماضيهم المؤسفِ بعين النظر؛ إذ لا يمكنُ عَدُّ سوءِ المعاملةِ عذراً لإطلاقِ سراحهم، فمن واجبِ القاضي أن يُبقي المجتمعَ آمناً.

    وهؤلاءِ الذين يُخلِّون بالعقودِ الاجتماعيةِ يجب أن يُحتَجَزوا، ولكن عندما نتحدَّثُ في هذا السياق فإنَّ المستقبلَ أكثرُ أهميةً من الماضي؛ فالإدراكُ البيولوجيُّ العميقُ للسلوكِ سوف يعزّزُ استيعاباً أفضلَ لمفهومِ العودةِ إلى هذهِ التصرُّفات، وهذا يقدّمُ قاعدةً للأحكام التجريبية؛ إذ سيقتضي ذلك إبعادَ بعضِ الناس عن المجتمعِ مدّةً أطولَ ( حتَّى إذا كانت مدى الحياة)، لأنَّ احتماليَّةَ ممارستِهم الاعتداءَ من جديدٍ مرتفعةٌ، وبالمقابل؛ يمكنُ أن يُطلَقَ سراحُ البعض الآخرِ في وقتٍ أبكرَ؛ لأنَّ احتمالَ عودتِهم إلى هذه الأفعال أقلُّ، وذلك بسببِ الاختلافِ في بِناهِم العصبية.

    لقد بدأَ القانونُ النظرَ حقّاً إلى هذه المسائل: عَدُّ التسامحِ متاحاً للجريمة المُنفَّذةِ بدافعِ العاطفةِ دوناً عن القتلِ العمد، وذلك لأنَّ المُنفِّذَ بدافعِ العاطفةِ أقلُّ عُرضةً لإعادةِ الإجرامِ من ذاك الأخير، وقد بيَّنت أقوالُهم ذلك على نحوٍ معقول. وبطريقةٍ مماثِلةٍ؛ فإنَّ القانونَ الأمريكيَّ ينصُّ على وجودِ فاصلٍ واضحٍ بين المجرمينَ القاصرينَ والبالغين مُعاقباً الأخيرِين بقساوةٍ أكبر. وقد تبدو هذهُ الطريقةُ بسيطةً، لكنَّ الحدسَ الذي خلَّفَها سليمٌ: إذ يُظهِرُ القادةُ الفتيان براعةً أقلَّ من البالغين في اتّخاذِ القراراتِ وضبطِ النفس؛ لأنَّ دماغَ المُراهِقِ ببساطةٍ يختلفُ عن دماغ البالغ، لذا تُخصَّصُ الأحكامُ المُخفَّفةُ لأولئكِ المراهقين الذين سيُطورون ما يخصُّ ضبطَ النفس حالما ينضجون.

    وإنَّ اتخاذَ منهجٍ علميٍّ في إصدارِ الأحكامِ؛ قضيةً تلوَ الأُخرى؛ قد ينقلُنا الى أبعدَ من هذه الأمثلةِ المحدودة؛ فمثلاً؛ يطرأُ كثيرٌ من التغيير على الأحكامِ المُتعلِّقةِ بالمعتدين الجنسيين، ففي الماضي؛ طلبَ الباحثون من الأطباءِ النفسيين وأعضاءِ لجنةِ إطلاقِ السراحِ المشروط تحديدَ احتماليّةِ أن ينتكسَ المعتدون الجنسيون ويعودون إلى تكرار جرائمهم بعد خروجهم من السجن؟ لكلتا المجموعتِين الخبرةُ الكافيةُ في التعاملِ مع المعتدين الجنسيين؛ لذا فقد كان سهلاً توقُّعُ سلوكِهم؛ مَن منهم سيُكمِل حياتَه طبيعيّاً ومَن سيُزاوِلُ نشاطَه من جديد، ولكنَّ المُفاجِئَ أنَّ توقُّعاتِ الخبراءِ أظهرتْ عدمَ توافقها مع النتائجِ الفعليّةِ إلى حدٍّ كبير، فقد كان للأطباءِ النفسيِّين وأعضاءِ لجنةِ إطلاق السراح دقَّةٌ تفوق بقليلٍ رميَ قطعةِ النقودِ في توقُّعِ ما سيحدث، وهذا ما أذهلَ المجتمعَ القضائي.

    ولذا فقد اعتمدَ الباحثون منهجاً أكثرَ دقَّةً؛ إذ قرَّروا تسجيلَ عشراتِ الصِّفاتِ المُميَّزة لِقرابةِ 23،000 معتدٍ جنسيٍّ مُطلَقٍ سراحُه، فمثلاً: (وظيفةٌ غيرُ مستقرة – هل استُغِلَّ جنسياً في الطفولة؟ – مدمنُ مخدرات – هل شعر بتأنيبِ الضمير لِما ارتكبِ؟ – لديه اهتماماتٌ جنسيةٌ مُنحرِفةٌ…وما إلى ذلك)، ثمَّ تابعَ الباحثون المجرمين مدَّةَ قرابةِ 5 سنواتٍ بعدَ إطلاقِ سراحهم؛ لمعرفةِ مَن منهم سيعودُ الى السجن، وفي نهاية الدراسةِ؛ جمعوا أكثرَ العواملِ تفسيراً لمُعدَّلاتِ الانتظام، وممَّا سبقَ؛ فقد تمكذَنوا من إنشاءِ جداولَ تُساعِد على إصدار الحكم.

     فما هي أكثرُ العواملِ أهميةً؟
  على سبيلِ الذكر؛ تأنيبُ ضميرٍ أقلُّ، وإنكارُ الجريم، والاستغلالُ الجنسيُّ في الصغر. وربَّما تظنُّ أنَّ هذه العواملَ مرتبطةٌ مع العودةِ إلى ارتكابِ الجريمةِ الجنسية، لكنَّكَ قد تكون مخطئاً: فليس لهذه العواملِ أيّةُ أهميَّةٍ تُذكر، فماذا إذاً عن اضطرابِ الشخصيةِ الاجتماعيّ وفشلِ استكمالِ العلاج؟ هذه أكثرُ احتماليَّةً، ولكن مِنْ بين أقوى العواملِ الإساءةُ الجنسيةُ السابقةُ والاهتمامُ الجنسيُّ بالأطفال، وعندما تُقارِنُ قوَّةَ توقُّعِ هذا النمطِ المنهجي معَ توقُّعاتِ الأطباءِ النفسيين وأعضاءِ لجنةِ إطلاقِ السراح؛ ستجدُ أنَّه لا مكانَ للمقارنة، فالأرقامُ تتفوَّقُ على الحدس، وفي مختلفِ المحاكمِ في أرجاء الدولة تُستخدَمُ هذه الفحوصُ قبلَ النطق بالحكمِ لتعديل مدَّةِ السجن.

    لا يمكننا التنبُّؤُ بما سيفعلُه المعتدي عقبَ إطلاقِ سراحه، وذلك لأنَّ الحياةَ الواقعيةَ مُعقَّدةٌ، ولكنَّ القيمةَ الاحتماليةَ التي تحملُها الأرقام أكبرُ ممَّا يظنُّه الناسُ، فالحكمُ المبنيُّ على الإحصاءِ هو حكمٌ غيرُ مثاليٍّ، ولكن مع ذلك؛ يبيّنُ أنَّ الأدلَّةَ أهمُّ من الحدسِ الشعبي، ويوفِّرُ التعديلُ بديلاً عن التوجيهاتِ الفظّةِ التي يستخدُمها النظامُ القضائيُّ روتينيّاً. ولا تتطلَّبُ المناهجُ المُتَّبعةُ حالياً فهماً عميقاً للجيناتِ أو للكيمياءِ العقلية، ولكن؛ في حين نقدّمُ نحنُ مزيداً من العلم في هذهِ القياسات – على سبيل المثال، مع دراساتِ تصويرِ الأعصاب – فإنَّ القوّة التنبُّئية سوف تتحسَّنُ حتماً. (ولجعلِ هذا النظامِ منيعاً أمامَ إساءةِ الحكومةِ؛ يجبُ أن تكونَ البياناتُ والمعادلاتُ التي تُؤلّفُ إرشاداتِ الحكمِ شفَّافةً ومُتاحةً على الإنترنت لأيِّ شخص يَودُّ أن يتحقَّقَ منها).

    وبعيداً عن الحُكمِ المُعدَّلِ (المخصَّص)؛ فإنَّ النظامَ القضائي المُحدَّثَ والمُدعَّمَ بالانفتاحِ العلميِّ على العقل سوف يُمكِّنُنا من إيقافِ معاملة الإنسانِ بوصفهِ قالَباً جاهزاً لكلِّ الحلول، وكي أوضِحَ أكثرَ؛ أنا لستُ ضدَّ الحجز، ولا يقتصرُ الغرضُ منه على إقصاءِ الناس المُؤذينَ من الشارع فحسبُ، بل تردعُ إمكانيَّةُ الحجزِ عدَّةَ جرائم، وما يمضيهِ الشخصُ في السجن من وقتٍ قد يحيده عن العديدِ من الجرائم الَّتي من الممكن أن يرتكبها عقبَ إطلاقِ سراحِه، لكنَّ هذا الكلام يسري على الأسوياء عقلياً؛ فمشكلتنا أنَّ السجونَ أصبحت مَصحَّاتٍ فعليَّةً للعنايةِ بالصحةِ العقلية، وتطبيقُ العقوبةِ على المضطربين عقليّاً قد يتركُ أثراً بسيطاً جدّاً على سلوكِهم في المستقبل.

   إنَّ نزعةَ التشجيع هي أساسُ محاكمِ الصحة العقلية حول الأمَّة: إذ يُمكِنُ للمضطربين عقلياً في بعضِ المحاكم أن يتلقَّوا المساعدةَ باحتجازهم ضمن بيئةٍ مناسبة؛ فبعضُ المدن مثل (ريتشموند،فرجينيا) تتحرّكُ في هذا الاتّجاه؛ ليس من أجلِ العدالةِ فحسبُ، بل من أجل التكلفة الفعالة أيضاً. العمدة (وودي)؛ والذي قدَّر أنَّ 20 %  من سجناء ريتشموند هم مختلُّونَ عقلياً؛ صرّح لمحطّة CBS:”السجنُ ليس مكانَهم، بل يجب أن يكونوا في مستشفى الأمراض العقلية”. وعلى نحوٍ مُشابِه؛ تُنشئُ العديدُ من السلطات القضائية محاكمَ متعلِّقةً بالمخدرات، وتُطوِّرُ أحكاماً بديلةً؛ فقد أدركوا أنَّ السجنَ ليس المكانَ المناسبَ لعلاجِ الإدمان كما هي برامجُ إعادة التأهيل.

    وسوف يستثمرُ النظامُ القضائيُّ الحديثُ المعلوماتِ البيولوجيةَ في إعادةِ التأهيل الحديثة، ومراقبةِ سلوك المجرمِ بالطريقة التي تمكِّننا من فهمِ حالتِه الطبية المُرافِقة مثل الصَّرَع والفُصام والاكتئاب-الحالاتِ التي تتطلَّبُ البحثَ وتقديم المساعدة. وكلُّ هذا وغيرِه من المشكلاتِ العقلية لا يقتضي المعاقبةَ والتصنيفَ ضمن صنف الجُنحات؛ فهو الآن يُعَدُّ قضايا بيولوجية أكثر أهميّةً من كونِها تجريميّة.

    ويدركُ معظمُ الناس تكلفةَ فعاليةِ برامجِ إعادةِ التأهيل طويلةِ الأمد للمعتدين عوضاً عن زجِّهم ضمن السجون المُكتظَّةِ بالناس، وتمثّلَ التحدي في قلَّةِ الأفكارِ الجديدةِ لإعادة تأهيلهم؛ إذ إنَّ فَهماً أفضلَ للعقل يعطي أفكار جديدة. وعلى سبيل المثال؛ إنَّ ضعفَ ضبطِ النفس مُميَّزٌ عندَ العديد من السجناء، فهؤلاء الناس قادرون على التفريق بين الخطأ والصواب، ويتفهَّمون مساوئَ المعاقَبة، لكنَّهم مُقيَّدون بسيطرتِهم الضعيفة على أنفسِهم، وإن كانت ناتجةً عن غضبٍ أو وساوسَ فإنَّ أفعالَهم تطغى على تبريراتهم.

    إنْ خُيِّلَ لك أنَّ التعاطفَ مع مَن لا قدرةَ له على ضبطِ دوافعِه صعبٌ ففكِّرْ بكل الأمور التي يمكن أن تخضعَ لها ضدَّ أحكامك فحسبُ؛ الكحولُ؟ كيك الشوكولا؟ التلفازُ؟ هذا لا يعني أنَّنا لا ندركُ ما الأفضلُ لنا، ولكن ببساطةٍ؛ لا تستطيعُ داراتُ الفَصِّ الجبهي – التي تُمثِّلُ الاعتباراتِ طويلةِ الأمدِ – الفوزَ دائماً أمامَ الرغباتِ الآنية عند وجود مُحفِّزٍ ما أمامنا وعندها نُطلقُ العِنانَ لأنفسنا.

    ومعَ أخذِ هذا المفهوم بالحُسبان؛ يُمكنُ تعديلُ النظامِ القضائيِّ بعدَّةِ طرائقَ، وقد أُيِّدَت إحداها من قِبَلِ (مارك كليمان) – أستاذِ السياسةِ العامَّةِ في UCLA والَّتي دعَت إلى زيادة حدة و سرعةِ العقوبةِ – مثلاً؛ إخضاعُ مدمنيّ المخدَّراتِ لتحليلِ المخدرات مرَّتين أسبوعياً، مع تطبيقِ عقوباتٍ مباشَرةٍ وتلقائية عند الفشل في الفحوصات، وبذلك الابتعادُ عن الأحكامِ التجريدية البعيدة، وبالمِثل؛ افترضَ الاقتصاديون أنَّ انخفاضَ مُعدَّلاتِ الجريمة منذ بدايات 1990 جاءَ نتيجةً لزيادةِ وجود الشرطة في الشوارع؛ وكانت رؤيتهم هذه تعزّزُ دعمَ أجزاءِ العقلِ التي تَزِنُ النتائجَ على المدى الطويل.

    وقد نكون على مشارفِ إيجادِ إستراتيجياتٍ جديدةٍ لإعادةِ التأهيل موفِّرين للناس تحكُّماً أفضلَ في سلوكهم حتَّى بغيابِ رقابةٍ خارجية، ويتمثّلُ الهدفُ الأخلاقيُّ من مساعدة المواطنِ على الانخراط ضمن المجتمع في تغييرِ الشخص قدر الإمكان وتقريبِ سلوكه من الحدِّ الذي يتوافق فيه مع حاجاتِ المجتمع. ونقترح أنا والزملاء منهجاً جديداً ينطلقُ من فهمِ أنَّ العقلَ يعملُ كفريقٍ من المتنافسين مع مجموعاتٍ عصبيةٍ مختلفةٍ تتنافسُ لضبطِ نِتاجٍ واحدٍ من السلوك، ولأنَّها مُنافَسةٌ؛ فالنتائجُ يُمكِنُ أن تُعدَّلَ، وأنا أسمِّي هذه الطريقة *تدريبَ الفَصِّ الجَبهي*.

    لقد دارتِ الفكرةُ الأساسيّةُ حولَ تدريبِ الفصوص الجَبهيّة على إخماد داراتِ الدماغ الآنيّة، ولتحقيقِ هذه الغايةِ بدأَ كلٌّ من زميليَّ Stephen LaConte وَ Pearl Chiu  بتسجيلِ ردودِ الفعل اللّحظية ضمن أدمغةِ المشاركين في أثناءِ تصويرها، فمثلاً؛ إذا ما تخيّلتَ أنّك تسعى إلى الإقلاع عن التدخين فسوفَ تكونُ التجربةُ حينَها على النحو الآتي: تُعرَضُ مجموعةٌ من صُورِ السجائرِ عليكَ في أثناءِ تصويرِ دماغك، ويحدِّدُ الخبراءُ المناطقَ الدماغيّةَ المسؤولةَ عن الشعورِ بهذه الرغبةِ المُلحَّةِ والتي تتمثَّلُ هنا في التدخين، ويُعبَّرُ عن نشاطِ هذه الشبكات بشريطٍ عموديّ يظهرُ على شاشة الحاسوب، والذي يعرضُهُ الخبراءُ عليك في أثناءِ مشاهدتِك مزيداً من صُورِ السجائر. ويعملُ هذا الشريطُ العمودي كميزانِ الحرارةِ في تعبيره عن رغبةِ التدخين؛ إذ يرتفعُ مع ارتفاعِ رغبتك بالتدخين وينخفضُ كلَّما حاولتَ كبحَ هذه الرغبة. ويكمنُ الهدف من هذه التجربة في استطاعتكَ خفضَ هذا الشريط العمودي، وانطلاقاً من ذلك؛ سوف تجرّبُ العديدَ من السُّبُلِ العقليّةِ التي تجعلُ العمودَ ينحدرُ تدريجياً، وذلك مرتبطٌ في كونكَ تملكُ فكرةً عن الآليّةِ التي يمكنك بها إخماد رغبتكَ المُلحَّةِ في التدخين أم لا. ويعني انخفاض العمود إلى الصِّفر نجاحَك في تجنيدِ الدّارات الكهربائية الجبهيّة لإخمادِ نشاط الشبكاتِ المسؤولة عن الرغبة الانفعاليّة المُلِحَّة، ويتجلّى الهدفُ الأساسيّ في التغلُّبِ على هذه الرغبة على المدى الطويلِ لا الآنيِّ فقط، فتلكَ الداراتُ الجبهيةُ سوف تصبحُ قويّةً بما فيه الكفاية بمجرَّدِ متابعتِكَ التدريبَ على إنزال العمود شيئاً فشيئاً في أثناءِ استمرارِعرضِ صور السجائر، وتمكّنكَ هذه التجربةُ من تَصوُّرِ النشاطِ الذي يحدثُ في عدَّةِ أجزاءٍ من دماغك، والذي يتطلَّبُ إجراءَ التعديل عليه، وتمكّنك من ملاحظةِ التأثيراتِ التي قد تُحدِثُها كلُّ طريقةٍ عقليةٍ قد تتَّبعُها في التدريب أيضاً.

 

    وقد تبدو هذه الدراسةُ مشابهةً للدّراساتِ التي أُجريت في السبعينيَّاتِ من القرن الماضي؛ وهي كذلك بالفعل لكنَّها قد أصبحت حالياً أكثرَ تعقيداً وتطويراً؛ إذ تُراقَبُ شبكاتٌ مُحدَّدةٌ داخل الدماغ عوضاً عن وضعِ قُطبٍ واحدٍ على الجلد فقط، ولمّا كانَ هذا البحثُ قد بدأ لتوّه فما يزالُ مدى فعاليةِ هذه الطريقةِ أمراً غيرَ معروف تماماً، ولكنَّها قد تغدو الورقةَ الرابحةَ في اللُّعبة إذا أُنجِزَتِ التجربةُ بنجاح؛ إذ سيصبحُ ممكناً نقلُ هذه التجربة إلى مجتمع السّجون، وخاصةً أولئك الذين سوف يُطلَق سراحهم عمّا قريب، وستصبحُ محاولةُ تطبيقِها عليهم ممكنةً أيضاً؛ على أملِ مساعدتهم في تجنُّب العودةِ إلى قضبانِ السّجن مرَّةً أخرى.

     وقد صُمِّمَ هذا التدريبُ الدِّماغيُّ الأمامَ جبهيِّ بطريقةٍ تُحقِّقُ التوازنَ بين الأجزاء الدّماغية المسؤولةِ عن التأثيرَين طويلِ الأمدِ وقصيرِه، ممّا يساعدُ الأشخاص الانفعاليّين على التفكير قبلَ اتِّخاذ الفعلِ، وهو في واقعِ الأمرِ محورُ الوصولِ إلى النضوج، فالفرقُ الأساسيُّ بين أدمغةِ المراهقين وأدمغة البالغين هو مدى نضجِ الفصوص الجبهيّة، وتُعزَى تصرُّفاتُ المراهقين الانفعاليةُ إلى حقيقةِ أنّ تطوّرَ قشرة الإنسان الأمامَ جبهيّة لايكتمل إلاّ مع بلوغهِ بدايات العشرين، وقد يُطلَقُ على الفصوص الجبهيّة من أدمغتنا “عضوَ التنشئةِ الاجتماعية”؛ إذ تعتمدُ قدرتنا على أن نُصبحَ اجتماعيّين اعتماداً كبيراً على إمكانيّةِ تطوير الدّاراتِ التي تُخمِدُ السيّالات العصبيّة الاندفاعيّة اللّحظيّة.

     إنَّ ما سبقَ يُفسِّرُ التصرّفاتِ غير المدنيّة والَّتي قد تظهَرُ عندَ حدوثِ أذيّةٍ للفصوصِ الجبهيّة؛ إذ تنكشفُ هذه التصرفاتُ التي لا يمكن لنا حتّى أن نتخيّلَ فعلَها. وبالعودةِ إلى مرضى الخَرَفِ الصدغي الجبهيّ ممّن سرقوا المتاجرَ أو ممَّن تعرَّوا أمامَ الملأ أو انفجروا بالغناءِ في الأوقات غيرِ الملائمة؛ وُجد أنَّ الشبكاتِ الدماغيّةِ المسؤولةَ عن هذه التصرفات طالما كانت موجودةً لديهم، لكنّها كانت قابعةً تحتَ السطحِ عندما كانتِ الفصوصُ الجبهيّةُ تعمل على نحوٍ سليم. وإنَّ الخروجَ في ليالي السبت، والانغماسَ في المرحِ الصاخبِ وشربِ الكحول؛ يؤدّي بالآليّةِ السابقةِ ذاتِها إلى إضعاف عملِ الباحات القشريّة وإفساحِ المجال أمامَ السيّالات الانفعاليّة للظهورِ والسيطرة، وإنَّ تدريبَ القشرةِ أمامَ الجبهيّة السابقَ يُعلِّمُ الفردَ الطريقةَ التي تُمكِّنُه من السّيطرة على أفعاله، فمثلاً؛ قد تستمرُّ رغبتُه في التدخين، لكنّهُ سيتمكّن من تثبيطِ هذه الرغبة عوضاً عن السماحَ لها بالنَّيلِ منه، وذلك لا يعني منعَ الشعور بالرّغباتِ اللّحظية، وإنّما يدورُ حولَ مَنحِ قشرتِنا الجبهيّةِ قدرةَ السيطرةِ على هذه السيّالات الانفعاليّة، فقد تشعرُ – مثلاً – برغبةٍ في تناوُلِ قطعةٍ من الحلوى، لكنّكَ تستطيعُ تحديدَ تصرُّفِكَ تجاه هذه الرغبة وربّما اتِّخاذَ القرار برفض تناولِها، وينطبقُ ذلك على الأفكار الإجراميّة أيضاً، فمُجرَّدُ تفكيرِ الشخص بارتكابِ عملٍ إجراميٍّ ما يُعَدُّ أمراً مقبولاً طالما  أنّه لم يُقدِم فعليّاً على اقترافِه.

     وليس ممكناً توقُّعُ اختفاءِ رغبةٍ مَرَضيَّةٍ كانجذابِ من لديهم اضطرابُ البيدوفيليا (الغلمانية) نحو الأطفال، إنَّما امتناعُهم عن اقترافِ أيِّ فعلٍ تجاهَ ذلك يُمثِّلُ أقصى طموحاتنا، خاصةً بوجودِ مجتمع منفتحٍ يحترمُ حقوقَ الأفراد ويمنحُهم حريَّةَ التفكير. ولا يتعدّى طموحُ السّياسةِ الاجتماعيةِ حاجزَ السّيطرةِ على الأفكارِ الانفعاليّة ومنعِها من اتِّخاذِ مجرى التنفيذ دونَ التفكير المُسبَق؛ إذ يتمثَّلُ الهدف الأساسيّ في جعلِ التجمُّعاتِ العصبيّةِ التي تُعنى بالعواقبِ الطويلةِ الأمد قادرةً على تثبيطِ الانفعاليّةِ وتشجيع التفكير أوَّلاً، وأمّا في حال اندفاعِ الشخص نحو ارتكابِ عملٍ مخالفٍ للقانون على الرّغم من إدراكِه العواقبَ المترتّبة على المدى الطويل؛ فحينئذٍ نتصرَّفُ تجاهَ فعله على النحوِ المناسب. وتحافظُ آليةُ التدريبِ أمامَ الجبهي على سلامةِ الدّماغِ؛ إذ لا تتضمّنُ أيَّ أدويةٍ أو عملٍ جراحيٍّ، وإنّما تَستخدِمُ مرونةَ الدماغِ الطبيعيّة لجعلِهِ قادراً على مُساعدةِ ذاتِه بذاته، فهي بمثابةِ إعادةِ ضبطٍ لموازينِ الدماغ؛ لا خلقِ منتجاتٍ جديدةٍ فيه.

     وإنّنا نأمَلُ أن تُمثِّلَ هذه المقاربةُ نموذجاً صحيحاً، فهي تقوم على أُسسٍ حيويّة وأخلاقيّة معاً، ممّا يتيحُ المجالَ أمامَ الفردِ لتطويرِ قدرتهِ على اتِّخاذ القراراتِ البعيدةِ المدى انطلاقاً من ذاته. وقد تفشلُ هذه التجربةُ، فهي كغيرها من التجاربِ العلميّةِ عُرضةٌ للإخفاق نتيجةَ العديد من الأسباب التي قد يكون بعضُها مُفاجئاً، ولكنّها – على الأقلّ – أتاحَتِ الوصولَ إلى أفكار جديدةٍ وتطويرَها عوضاً عن الافتراضِ المُسبَقِ أنَّ الحلَّ العمليّ الوحيدَ في ردع الجريمة هو بالسَّجن المتكرّرِ.

     لقد توصَّلنا بواسطةِ دراستِنا إلى تنوُّعِ طبيعةِ الناس فيما بينهم على نطاقٍ واسعٍ وفي جوانبَ متعدّدةٍ مثل؛ الحنانِ أو الذكاء أو السيطرةِ على الانفعال أو العدوانيةِ، فلم يُخلَق النّاسُ سواسيةً. وطالما تكرَّرت محاولاتُ دفنِ هذا التنوّع، لكنَّهُ في حقيقةِ الأمر يُعَدُّ جوهرَ التّطور؛ فالطّبيعة تعملُ في كلِّ جيلٍ جديدٍ على خلقِ تنوّعٍ جديدٍ يشملُ جميعَ الأبعاد الممكنة.

     وعلى الرّغم من أنَّ هذا الاختلاف قد يَرفَعُ من المجتمعاتِ الغنيّةِ التنوّع؛ لكنّه يمثّلُ عائقاً أمامَ نظام القانون الذي يقوم أساساً على مبدأِ تساوي البشر كافَّةً أمامَ حكم العدالة. وتفترضُ هذه البِدْعةُ أنَّ البشرَ قادرون على السيطرةِ على انفعالاتهم وعلى اتِّخاذِ القراراتِ وإدراكِهم النتائجَ المترتّبةَ على ذلك على نحوٍ متساوٍ، وعلى الرَّغم من روعةِ هذه الفكرة؛ لكنَّ فرضيَّةَ التطابقِ العصبيّ – ببساطةٍ – غيرُ صحيحة.

     وقد يرتكزُ وجودُ البشريّةِ على استمراريّة تنوُّعِ القدراتِ لا على تَبسيطها، وهذا ما نستطيعُ فهمَهُ من  تطوّر علم الدماغ المستمرّ، وقد نتمكّن من إعادةِ صياغةِ قراراتِ حُكمِ العدالة أو إعادة التأهيل؛ عوضاً عن صيانةِ الذريعةِ المعهودةِ بأنَّ جميعَ العقول تستجيبُ لِمختلفِ التحديّات المُعقَّدةِ بطريقةٍ متماثلةٍ، ممّا يعني أنّ الجميعَ يستحقُّ نيلَ العقوباتِ ذاتها. وقد يتساءل البعضُ إذا ما كانَ من العدلِ اتِّخاذُ منحىً علميٍّ في أثناءِ إقرار حكم عدالة ما أيضاً؛ ولكن؛ أينَ موقف الإنسانيّة من ذلك؟ وما البديلُ عن ذلك؟ فإذا ما ألقيْنا نظرةً إلى واقعِ السّجونِ الحاليّة فسوفَ نَجِدُ أنَّ قبيحيِّ الهيئةِ ينالون حُكماً أطولَ أمداً ممَّن هم أجمل؛ وأنَّ الأطبّاءَ النفسيّين لا يملكون القدرة على معرفةِ إذا كانَ أيٌّ من المُعتدِين الجنسيين سوف يعاوِد ارتكاب جريمتِه عند إطلاق سراحه أم لا، فضلاً عن أَنَّ سجونَنا تغصُّ بمدمنيِّ المخدّرات والمرضى العقليّين عوضاً عن تأهيلِ كلٍّ منهم في المصحّات، والتي قد تكون أفضلَ لهذهِ الفئاتِ، وبناءاً على ذلك؛ هل ما زلنا نَجدُ أنَّ حكمَ العدالة الراهنَ لا يحتاجُ إلى نهجٍ علميٍّ يستنيرُ به؟

     لقد استطاعَ علمُ الأعصابِ التطرُّقَ إلى أسئلةٍ طالما كانت من اختصاصِ كلٍّ من عُلماءِ الفلسفةِ وعلماءِ النّفس، وإنّ بعضَ هذهِ الأسئلةِ – مثل معرفةِ كيفيّة اتِّخاذِ الإنسانِ قراراتِه، وإذا ما كانت قراراتُه حقيقةً مجرَّدةً كلَّ التجرّد – ليست بالأسئلةِ الخاوية؛ إذ ستغدو جوهرَ مُستقبلِ النّظريةِ القانونيّةِ، وسوفَ تخلقُ قانوناً يرتكز إلى المعلوماتِ العلميّة البيولوجيّة.

تدقيق علمي: أحمد عبيد – غيث العبد الله – ندى المهدي.

المصدر: The Brain on Trial

هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق