فهرس إكس

الموسيقا المالحة …رابطة عجائبية بين النغم والطعم (الجزء الأول)

من الواضح أن الموسيقا والمنبهات الصوتية قد استُخدمت في عملية التسويق لعقود خلت، بدءاً بالدخول الموسيقي المفاجئ لحبوب كريسبيز ” snap-crackle-pop of Rice Krispies  ” في ثلاثينيات القرن الماضي مروراً بفقاعات كوكاكولا الغازية وصولاً إلى صوت الأمطار و بيئة الأدغال التي تستخدم في الترويج للخضروات والفواكه المعلبة …. هنا
كل ذلك قد بدأ على نحوٍ ممنهج في أوائل السبعينيات من القرن الماضي عندما أنتج جاك كوريجان ” Jack Corrigan ” -مؤسس ومدير شركة كوريجان الأمريكية- معدات  التغشية ومراوحها للحفاظ على الخضروات رطبة في سوق الإنتاج، إذ لم يعر كوريجان آنذاك انتباهه لتوقيت الرذاذ، فأصبح معظم الزوار مبتلين.
وفي سنين لاحقة طور  ابن كورجان مايك الأصوات المسجلة مسبقا لتحذير الزبائن من أن الرذاذ سينتشر بعد بضعة دقائق، وفي بعض الحالات كانت تُوضع عدة أغانٍ مثل:
“Singin ‘in the Rain”، وربما كانت محلات البقالة آنذاك تختار أصواتاً طبيعية أخرى كأصوات الأمطار الغزيرة في غابة استوائية. لاحقاً  بيعت مجموعة من أجهزة الصوت المسجلة بهذه الطريقة، بدءاً من منتصف التسعينيات وحتى الآن بواسطة شركة” Corrigan Corp ” تحت اسم العلامة التجارية Que.        
وقد أدخلت بعض العلامات التجارية الشهيرة الروح الموسيقية في تجارب تناول الطعام في المنزل، وذلك ببساطة لجعلها أكثر متعة، إذ جربت شركة هاجن داز ” Häagen-Dazs  ” في عام 2013 ، تطبيق كونشيرتو لإبقاء الناس مشغولين أثناء صنعهم المثلجات في المنزل ، إذ اعتمدت آنذاك على وضع رمز يحكه المستخدم، ومن ثمَّ يدخله في تطبيقٍ ليشاهد العديد من الحفلات الموسيقية ويستمتع بوقته بينما تعمل ماكينة المثلجات،  وبذلك حققت داز نجاحاً باهراً في عملية التسويق والدعاية مستخدمةً بضعة مقطوعات موسيقية تتميز بكونها ضمن نطاق ترددي واحد، لكنَّها أوقفت هذا المشروع في عام 2014 دون أن تذكر سبب ذلك….

الجدير بالذكر أنَّ  المطاعم والمقاهي حول العالم كانت – وبطريقة غير مباشرة-  تستخدم هذه الاستراتيجية لإلهاء الزبائن وضبط مشاعرهم أثناء تحضير الوجبات أو تجهيز الطلب، لكن حاليا هناك المزيد  ممَّا نسميه ” الاستراتيجيات الصوتية sonic strategies ” وأبرز تلك الأمثلة ما أدَّتهُ شركة ” Man Made Music ” من العديد من المؤثرات الصوتية، ومن بينها نغم الجرس المعروف ب ”  ding-ding-ding noise ” وتستخدمه شركة الاتصالات الأمريكية AT&T.
حتى تلك الموسيقا الاستثنائية التي تسمعها قبل بداية أي حلقة على قناة ” HBO ” وغيرها الكثير من المقاطع والاستراتيجيات الصوتية التي تستخدمها الشركات التجارية للحصول على مستوى معين لدى المستخدم.

” عندما نأكل، لا يبدو أن الناس يعتقدون أن إحساسهم بالسمع مهم، لكن في الواقع تلعب تلك الأنغام والتراكيب الموسيقية البسيطة  دوراً أكثر أهمية مما نستطيع تخيله، إذ إنه كلما زادت الحواس التي يمكنك المشاركة فيها تزامنًا مع عملية التذوق عن عمليتي التذوق والرائحة،  زادت قدرتك على جذب الناس إلى تجربة منتجك، وهذا من الواضح أنه يخلق نوعاً من الذكريات واللحظات الأكثر ثراءً وذوقًا”.
جوزيف يوسف” Joseph Youssef ” هو مؤسس ورئيس نقابة Kitchen Kitchen Theory في لندن، إذ يقدم استنادًا إلى أبحاث Spence  جدول Chef’s Gastrophysics Chef وخبرات الشركات التي تعتمد على علم المعالجات الصوتية ، وقد عمل أيضًا على أحداث Ultis فيما سبق.
لكن ما هي أحداث Ultis ؟!
في  عام 2016 ، طرحت شركة ”  Chivas Regal” أول أنواع ويسكي الشعير المخلوط في تاريخها التجاري  Chivas Regal Ultis ورغبةً منها بجعل هذا المنتج فائقًا للتوقعات، رتبت شيفاز سلسلة من الاختبارات والتحاليل  التي أديت بالتعاون مع جوزيف يوسف،إذ كان هدفهم الرئيسي هو تصميم جلسة إرشادية تتيح لعدد معين من المشاركين تجربة المنتج والعلامة الفاخرة مستخدمين كامل حواسهم من خلال سلسلة من جلسات تذوق عالمية في كل من لندن ودبي وتايلاند ونيويورك وتركيا وفيتنام، وعملت الشركة على تصميم مقطوعة موسيقية بعنوان Ultis، والتي تتضمن – وفقًا لموقع جائزة الأصوات العالمية-  صورًا لنزهة مرحة عبر بستان فاكهة، مضافاً إليها العديد من المؤثرات الصوتية المدروسة بدقة كأصوات الطبيعة والوهم بالتواجد بالهواء الطلق، في حين امتاز جزء آخر من المقطوعة بالدفء نتيجة لصور التوايل الملتقطة على ارتفاعات منخفضة بواسطة طائرة بدون طيار تزامنا مع عزف منفرد للتشيلو .
استفادت هذه التجارب من أبحاث البروفيسور تشارلز سبنس في الحواس والفيزياء الفلكية، إذ  صمِّمت تلك التجربة الغامرة على أساس التطابق على نحوٍ متساوٍ بين كل من طعم الشعير برائحة الحمضيات  والإضاءة الباهرة بالتزامن مع الأصوات التي صُممت من قبل وكالة العلامات التجارية الصوتية والمتخصصين IV Group ، والتي يديرها ستيف كيلر الذي يستمد أيضًا من أبحاث الأستاذ سبينس التي تسمح له بفهم “أصوات التذوق”.
شاهد الفيديو الذي نُشِر ببراعة من قبل مجموعة IV :
هنا
يقول جوزيف في نهاية هذه التجربة: ” لم تضمن الرحلة الحسية أن يكتسب الضيوف تقديرا للحرفية في هذا المزيج ، بل خلقوا تجربة غامرة حقا تركت ذاكرة دائمة”.
وفي تجارب أخرى أجرت بعض شركات الطيران  العديد من التجارب على برامج صوتية لتعزيز وجباتها أثناء الرحلات، إذ توصلت الأبحاث إلى أن الطيران يؤثر على المذاق، وتبين دراسات الفيزيولوجيا الكهربية من Spence  أنَّ انخفاض ضغط الهواء ونقص الرطوبة في كبائن الطائرة يمكن أن يؤثر على الطعم، وقال سبينس في مقال نُشر في العام الماضي في المجلة الدولية لعلم فن الطهي وعلوم الغذاء: “إن أصوات المحركات تلعب دورًا مهمًا هنا أيضًا، ممَّا يحدُّ من قدرتنا على التذوق والشم.

يقترح Spence  على شركات الطيران النظر في تقديم ترفيه صوتي أو سمعي بصري ليتناسب مع نمط الطعام الذي يُقدم، إذ  كان يعمل على فكرة “التوابل الصوتية” كما يسميها، مع الخطوط الجوية البريطانية منذ قرابة ثلاث سنوات في مشروع ركَّز فيه على إعطاء المسافرين سماعات رأس تُوجَّه على قناة منسقة مع طلبهم لسماع المقاطع الصوتية المصممة؛ لتتناسب مع الأطباق التي  تُقدَّم كما وجد أن طبق السلمون الاسكتلندي يتوافق على نحوٍ كبير جداً مع الموسيقا التي يقوم بها الثنائي الاسكتلندي البروليكيينز ” The Proclaimers ” ، كما يقول سبنس، في حين تتزامن حلوى الشوكولاتة الداكنة مع ملاحظات الطعم المرير مع مقاطع موسيقية لبافاروتي منخفضة الترددات الصوتية.

 وتلخص أبحاث أخرى أنه عندما تكون محاطًا بمستوى مرتفع جدًا من الديسيبل، ينخفض ​​مستوى الذوق لديك؛ إذ أن  الموسيقا الصاخبة تعني أن الطعام سيكون أقل نكهة بالنسبة للمستمع؛ لذلك غالبا ما توضع موسيقا كلاسيكية أو مقطوعات ذات ترددات منخفضة أثناء فترة تناول الطعام في الرحلات الجوية.
تابعونا في الجزء الثاني لنغوص في الأعماق، ونكتشف رابطة أخرى بين الطعم والنغم ….

المصادر:
هنا
هنا
هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق