اثار

بابل الجميلة: جوهرة العالم القديم

كتبه لمجلة “ناشونال جيوكرافيك”: جوان لويس
ترجمة: امنة الصوفي
تصميم: أسماء عبد محمد

حكمها حمورابي، استعادها نبوخذ نصر، غزاها كورش – هذه المدينة التي تقع في قلب بلاد ما بين النهرين كانت مرغوبة ومحتقرة في نفس الوقت، مما جعلها مركزا لفجر التاريخ.

ميسوبوتيميا – “أرض ما بين النهرين” – الرحم الذي أنجب العديد من المدن الكبرى في العالم. كانت مدينة بابل الرائعة التي تقع بين مياه نهر الفرات ودجلة على بعد 60 ميلا جنوب بغداد، واحدة من تلك المدن. على عكس العديد من البلدات التي اندثرت واختفت، عاودت بابل النهوض من ركامها وارتفعت مرارًا وتكرارًا، حتى مع غزو المحتلين الجدد واستيلائهم عليها. لكن هناءهم بها جاء بثمن، إذ طالما كانت بابل بمثابة جائزة يتصارعون للظفر بها.

ذاع صيت بابل في الثقافة اليهودية-المسيحية لعدة قرون. تروي كتب العهد القديم سبي اليهود إلى بابل بعد غزو القدس التي ذرفوا الدموع لإجلها. وبحلول العهد الجديد، أصبحت المدينة رمزا للتحول من كونها أرض الخراب والفساد الى مدينة القدس الجديدة الطاهرة.

بعيدا عن التقليد التوراتي، أثارت بابل اهتمام الكتاب اليونانيين والرومانيين، الذين أضافوا الكثير إلى تراثها الغني بالأساطير . كتب المؤرخ اليوناني هيرودوت عن بابل في القرن الخامس قبل الميلاد. الا ان وجود العديد من التناقضات في تدوينه دفع العديد من العلماء إلى الاعتقاد بأنه لم يسافر إلى هناك قط وأن نصوصه قد تكون أقرب إلى الإشاعة من الحقيقة التاريخية. كما يمكن أن تكون الحكايات الشعبية عن روائعها، مثل برج بابل والجنائن المعلقة، مجرد نتاج لأساطير والتباسات. حتى الآن بالنسبة إلى المؤرخين وعلماء الآثار، تعد مدينة بابل مكانًا حقيقيًا من الطوب والملاط في قلب بلاد ما بين النهرين النابضة بالحياة والتي هيمنت عليها لقرون عديدة.

مدينة المُدن
تم تحديد موقع بابل لأول مرة في القرن التاسع عشر في ما يعرف الآن بالعراق. أثبتت الحفريات اللاحقة التي أجراها عالم الآثار الألماني روبرت كولدفي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أن المدينة قد تم بناؤها وإعادة بنائها عدة مرات، ومن الملاحظ أن بناءها كان فخما من قبل ملكها، نبوخذ نصر الثاني (حكم 605-561 ق.م) . كشفت تحريات كولدفي عن موقع قديم للثقافة والسلطة السياسية. كشفت هذه الحفريات ما كان ليكون واحدا من أبرز المعالم البابلية التي بناها نبوخذ نصر الثاني: بوابة عشتار الزرقاء المبهرة، التي أعيد بناؤها وعرضت في متحف بيرغامون في برلين.

ازدهرت بابل لأول مرة في أواخر العصر البرونزي، حوالي بداية الألفية الثانية قبل الميلاد، عندما احتلها أناس عرفوا بالأموريين. مكنت سلسلة من الملوك الأموريين الأقوياء – بما فيهم الملك حمورابي، الذي اشتهر بسن أول قانون في العالم – بابل من تجاوز العاصمة السومرية، أور، باعتبارها أقوى مدينة في المنطقة. على الرغم من أن بابل تراجعت بعد وفاة حمورابي، الا إنّ أهميتها باعتبارها عاصمة جنوب بلاد ما بين النهرين، والتي تعرف الآن باسم بابل، ستظل باقية على مدى آلاف السنين.

 

تم بناء “إعادة بناء” قصر نبوخذ نصر الثاني في عهد صدام حسين على أنقاض بابل بالقرب من بغداد. ومثل العديد من الناس قبله، صاغها حسين حسب رؤيته الشخصية، معيرا القليل من الاهتمام للحقيقة التاريخية.

 

 

لبقية الألفية الثانية قبل الميلاد، برزت صراعات مستمرة للسيطرة على بابل. احتلها على التوالي الحثيون والكاشيون ؛ في وقت لاحق، قاتل أفراد قبيلة الكلدان من أجل الهيمنة مع قبيلة أخرى، الآراميين من سوريا (القبيلة التي كانت تتنازع أيضا مع إسرائيل). بحلول عام 1000 قبل الميلاد، اكتسب الآشوريون، الذين أسسوا إمبراطورية قوية في شمال بلاد ما بين النهرين، اليد العليا. لكن على الرغم من فترات الحكم المستقرة، كانت بابل دائمة السقوط بيد شخص آخر. وبالنظر إلى هذا النمط من الغزو المستمر – من قبل كورش الكبير في القرن السادس قبل الميلاد، والإسكندر الأكبر بعد مائتي عام – ربما يكون من الأجدر النظر اليها على انها سلسلة من المدن المتعاقبة، وكنتاج تقاليد بُنيت على مدى آلاف السنين.

كان البابليون أنفسهم على وعي شديد بأهمية حضارتهم. أحد نواب نبوخذ نصر، نابونيدوس، المعروف الآن للمؤرخين المعاصرين بأنه “ملك الآثاريين” وهو رجل متعلم، أعاد التقاليد المعمارية والتاريخية القديمة في المنطقة، خاصة تلك التي جاءت من الإمبراطورية الأكدية، والتي هيمنت على بلاد ما بين النهرين في الألفية الثالثة قبل الميلاد. – فترة من وجهة نظر عصره، كانت تبدو في الماضي البعيد.
بلغت بابل ذروتها أبان حكم نبوخذ نصر الثاني، عندما كان جدارها الخارجي – المبني إلى الشمال الشرقي من وسط المدينة، المبين أعلاه – يحتوي على منطقة حضرية تبلغ أكثر من ثلاثة أميال مربعة. أراد الملك أن يبني المدينة بحجم وعظمة لم يسبق لها مثيل من قبل.

1. بوابة عشتار: المدخل الرئيسي للمدينة مزين بالطوب الأزرق والمخلوقات التي تسمى موشوشو، وهو تنين أكدي مع جسد مصنوع من الحيوانات الأخرى.

2. شارع الموكب: وهو طريق يربط بين القصور والمعابد. يتم عرض تمثال لمردوخ على طوله خلال السنة البابلية الجديدة.

3. زقورة ايتمنانكي: أكملها نبوخذنصر الثاني، تم تكريس هذا الزقورة لمردوخ. معبد تعلوه ست ترسانات.

4. إيزاجيلا: معبد الاله الاكبر مردوخ وزوجته صاربينيتوم وابنه نابو, ليُعبدوا جميعًا في المعبد.

 

العصر الذهبي لبابل
تمتعت بابل بذروتها خلال القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، يُعتقد أنها كانت أكبر مدينة في العالم. سلالة جديدة أسّستها قبيلة عرفت باسم الكلدان قد انتزعت السيطرة من الآشوريين في أوائل القرن السادس قبل الميلاد. الا أن السلالة الثانية للعائلة الكلدانية الحاكمة أصبحت سيئة الصيت لكل من التجبر والبذخ: نبوخذ نصر الثاني، الملك الذي غزا أورشليم وأرسل اليهود الأسرى إلى عاصمة امبراطوريته الإقليمية الجديدة والقوية على نحو متزايد.

وقد استخدم نبوخذ نصر، وهو رجل عسكري ناجح، الثروة التي حصل عليها من أراضي أخرى لإعادة بناء بابل وتمجيدها. فأكمل وعزّز دفاعات المدينة، بما في ذلك حفر خندق وبناء أسوار المدينة الجديدة. كانت مشاريع تجميل المدينة ضمن خططه أيضا. تم تجهيز شارع الموكب الكبير بالحجر الجيري، وتم تجديد المعابد وإعادة بنائها، و تشييد بوابة عشتار المجيدة من الطوب الأزرق المزجج وزُينت بالثيران والتنانين، نُقش على بوابة المدينة كلمات تنسب إلى نبوخذ نصر، يقول فيها: “وضعت ثيراناً جامحة وتنانين شرسة على البوابات، وزينتها بالسناء والفخامة حتى يتسنى للناس التحديق فيها عجباً “.
رأى البابليون مدينتهم كجنة وقلب العالم، ورمزا من الانسجام الكوني الذي جاء إلى حيز الوجود عندما هزم الاله الاعظم مردوخ قوى الفوضى. كان انتشار عبادة مردوخ عبر بلاد ما بين النهرين دليلاً على مكانة بابل. لم تكن أي مدينة قديمة مرغوبة ومرهوبة، محط الاعجاب والانتقاد كبابل.

لكن في التقليد العبري، كان نبوخذ نصر طاغية، وبابل منبوذة. فقد غزا الملك القدس في أوائل القرن السادس قبل الميلاد. ونفي العبرانيين إلى بابل. يقول الكتاب المقدس أنه سرق أشياء مقدسة من المعبد اليهودي وأعادها إلى بابل ليضعها في معبد مردوخ.

لمعاقبته على عدم احترامه، يروي الإنجيل في كتاب دانيال كيف ستسقط سلالة نبوخذ نصر. في القصة، بيلشزار، خليفة العرش، يحمل مأدبة خدم على السفن المقدسة التي نهبت من القدس. خلال مراسيم الاحتفالات تظهر يد خفية، و كتابة غريبة على الجدار، مشكلة كلمات غامضة:( Mene، Mene، Tekel، Upharsin) يتم جلب النبي المسبي دانيال من قبل الملك المذعور لتفسير الكتابة على الحائط. يقرأه دانيال على النحو التالي: “لقد أحصى الله أيام مملكتك … ستُوهب إلى الميديين والفرس”.

لقد جاء توقع دانيال: في عام 539 قبل الميلاد، سقطت بابل على يد الملك الفارسي كورش الكبير، وعاد اليهود إلى ديارهم من المنفى. سوف يتم غزو المدينة بعد قرنين من قبل الإسكندر الأكبر في 331. على الرغم من أن ألكساندر كان قد خطط لجعل بابل عاصمة إمبراطوريته، الا انه مات قبل ذلك. في نهاية المطاف سوف يتم التخلي عن المدينة العظيمة من قبل خلفائه، وتنتقل روائع بابل إلى عالم الأساطير.

الملك يصيبه الذعر وامرأة تسكب واحدة من الكؤوس المقدسة التي نهبت من القدس، عندما كان دانيال يتنبأ بسقوط بابل. جسدت لوحة رامبرانت الرائعة من 1636-38، “عيد بلشزار”، المعروضة اليوم في متحف لندن الوطني.

الحقيقة والالتباس
واحدة من القصص الأكثر شهرة عن بابل هي قصة برج بابل، يعتقد بعض العلماء التوراتيين أنها قد تكون مبنية على ترجمة خاطئة، أو تورية حاذقة. يخبرنا كتاب سفر التكوين كيف أراد الناجون من الفيضان العظيم بناء برج يصل إلى السماء، ولكن الله يسلط غضبه على البناة لعنجهيتهم وعصيانهم ويشتتهم في الأرض، حيث يجبرون على التحدث بالعديد من اللغات المختلفة.

تنبع القصة من اعتقاد عبري أن الاسم بابل قد تشكل من الكلمة العبرية التي تعني الالتباس أو الاختلاط (والتي اشتقت منها الكلمة الإنجليزية “babble”). ومن المفارقات، أن هذا التفسير كان في حد ذاته مربكًا للغات. في اللغة الآكدية، لا تعني بابل الاختلاط. بل “بوابة الآلهة”.
يعتقد علماء الآثار أن البرج المشار إليه في قصة الكتاب المقدس قد يكون إيتيمينانكي، وهو زقورة عملاقة في بابل مخصصة لمردوخ. ويعني اسمها، “معبد عماد السماء والأرض”، الذي يتلاءم مع الأسماء المذكورة في القصة. عندما تم البحث عن أصل الكلمة في عام 1913، تبين أن البرج الذي من المفترض أنه وصل مباشرة إلى السماء كان، في الواقع، يبلغ 200 قدم في الارتفاع.

برج بابل
كان زقورة بابل، والذي أصبح رمزا لغطرسة الإنسان أمام الله، موضوعا مفضلا للفنانين عبر القرون. اللوحة الزيتية لرولانت سافيرج، 1607، والتي تعرض في متحف نورمبرغ.
قصة أخرى من المدينة القديمة هي جنائن بابل المعلقة الرائعة، واحدة من عجائب الدنيا السبع في العالم القديم. هناك العديد من النظريات التي تدور حولها، من موقعها الدقيق إلى هويات منشئوها. يقترح البعض أن الحدائق تشكل جزءًا من القصر الملكي في بابل نفسها، بينما يعتقد البعض الآخر أنها بنيت في مدينة أخرى تمامًا. تزعم إحدى قصص الأصل أن نبوخذ نصر كان قد بناها لزوجته أميتيس.

في أثناء أعمال التنقيب التي قام بها كولدفي في المدينة القديمة، حدد فريقه بنية غامضة في أحد أركان قصر بابل الجنوبي. تم إعداده من 14 غرفة طويلة مع سقوف مقببة وضعت في صفين. تم العثور على مجمع من الآبار والقنوات في الموقع. حتى وسط الجو الأكاديمي لهذا المشروع، بقيت رغبة معينة في الإيمان بقصص بابل الرائعة. هل هذه هي البنية التحتية التي زودت جنائن بابل المعلقة الأسطورية؟ إن الإجماع العلمي لديه نظرية أكثر اعتدالاً فيما يتعلق بدور هذا الهيكل: مخزن يستخدم لتوزيع زيت السمسم والحبوب والتمر والتوابل.

فأين في هذه المدينة يمكن أن تكون تلك الحدائق الشهيرة؟ ربما لن تكون في أي مكان على الإطلاق. لا يوجد نص من وقت نبوخذ نصر الثاني يشير إلى بناء أي من هذه الحدائق. لم يذكرها المؤرخ اليوناني هيرودوت، أيضًا. تأتي المصادر المكتوبة الوحيدة بعد ذلك بكثير من باحثين كثُر أمثال ديودورس سكيولس وكونتس كيرتس وسترابو وجميعهم أرّخوا تاريخ بابل بعد أن باتت مهجورة.

البوابة الزرقاء الجميلة: الأكثر شهرة من البوابات الثمانية التي بناها نبوخذ نصر الثاني حول بابل، كانت هذه البوابة مخصصة لعشتار، إلهة الحب والحرب، وكانت تتويجاً لتكريم الملك لماضي أكاديا القديم لبابل. متحف بيرغامون، برلين

ولعله ليس من العجب أن يحيط ببابل الكثير من الالتباس حين يخلط المؤلفون اليونانيون والرومانيون في نصوصهم بين الآشوريين و البابليين. في القرن الأول قبل الميلاد كتب المؤرخ ديودورس سيكلوس واصفا جدران بابل، الا أنه في الواقع يصف جدران نينوى، عاصمة الإمبراطورية الآشورية. ويصف مشهد صيد لا يشبه أي عمل فني تم العثور عليه في قصور بابل. ومع ذلك، فانه يتوافق مع نقوش الصيد المكتشفة في القصور الآشورية في نينوى.

قد يرجع هذا الاشتباه، جزئيا، إلى حقيقة أن بعض ملوك أشور، مثل سنحاريب (حكم 704 – 681 قبل الميلاد)، يحمل لقب ملك بابل. الأكثر إثارة للاهتمام هو أحد المنحوتات التي وجدت في منطقة نينوى، والتي تصوّر حدائق مورقة تسقيها قناة مائية. هل يمكن أن تكون الحدائق الشهيرة في نينوى طوال الوقت؟

لم تثبط الحقائق التاريخية غير المقنعة الحكام عن إعادة تشكيل تاريخ بابل في صورتهم الخاصة، وتوليد أساطير جديدة في هذه العملية. أحد الأمثلة الأكثر وضوحا ليس من العصور القديمة، ولكن من الثمانينيات، عندما بدأ صدام حسين – الذي كان دكتاتورا في العراق – إعادة بناء قصره الملكي. مثل أسلافه، تاركاً نقوشاً على جداران البناء. و على بعض الطوب كتب حسين باللغة العربية: بناه صدام، ابن نبوخذ نصر، لتمجيد العراق.

المقال باللغة الإنجليزية: هنا

التدوينة بابل الجميلة: جوهرة العالم القديم ظهرت أولاً على Iraqi Translation Project.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق