أجتماع

تاريخ السعادة يفسر لماذا جعلتنا الرأسمالية أكثر فراغاً من الداخل

كتبه لموقع “فوكس”: شون ايلينج
ُنشر بتاريخ: 31/10/2018
ترجمة: مها علي
التدقيق اللغوي: نعمان البياتي
تصميم الصورة: أسماء عبد محمد

يشرح الباحث السويدي كارل سيدرستروم كيف أعادت الشركات تعريف السعادة وحوّلت الهيبيين إلى مصوتين لريغان

ما هي السعادة؟
إنه سؤال قديم جداً لم يعثر أحد على إجابة شافية له رغم كثرة النظريات حوله.
يعد أرسطو من السباقين إلى طرح ما يمكن أن نسميه بفلسفة السعادة، إذ اعتبر أن السعادة تتحقق عندما تكون شخصاً صالحاً يعيش بشرف ودون رضوخ لرغبات النفس الدنيا، ولطالما كانت السعادة هدفاً يصبو إليه الإنسان باستمرار دون أن يفلح أبداً في تحقيقه بشكل كامل. يعتقد أبيقور، وهو فيلسوف يوناني آخر ممن تأثروا بفلسفة أرسطو، أن السعادة تتمثل في السعي وراء متع بسيطة.
أدى انتشار المسيحية في الغرب إلى الانقلاب على المفاهيم الإغريقية عن السعادة حيث لم يعد مذهب المتعة والمذهب القائم على الأخلاق التي أساسها الفضيلة يحظيان بنفس مكانتهما السابقة إلى حد ما، إذ أصبحت الحياة الصالحة فجأة تتمحور حول التضحية بالمتعة وتأجيل إشباع الرغبات لأن السعادة الحقيقية صارت أمراً يمكن تحقيقه في الحياة الأخرى وليس على الأرض.
أدى عصر التنوير وصعود الرأسمالية إلى إحداث تحول في الثقافة الغربية مرة أخرى حيث أصبحت النزعة الفردانية هي الروح السائدة وأصبح تحقيق الذات والأصالة الشخصية أسمى المثل، كما أصبحت السعادة حقاً أساسياً يجب أن نتمتع به كبشر.
عمل البروفيسور في مجال الأعمال في جامعة ستوكهولم (كارل سيديرستوم) في كتاب جديد له بعنوان “فانتازيا السعادة” على تتبع تطور تصورنا الحالي عن السعادة من خلال العودة إلى جذوره في الطب النفسي الحديث، وإلى ما يسمى بجيل “البيت” الذي ظهر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، حيث زعم بأن الشركات ووكالات الإعلان تبنت قيم حركة الثقافة المضادة المتمثلة في التحرر والحرية والأصالة وسخرتها لترسيخ ثقافة الاستهلاك والإنتاج، غير إن هذه الثقافة الموغلة في النزعة الفردانية تجعلنا في واقع الأمر أقل سعادةً بكثير مما يمكن أن نكون عليه.
تحدثت إلى “سيديرستوم” حول كيفية حدوث ذلك، ولماذا يعتقد أنه ينبغي اعتبار السعادة مشروعاً جماعياً يعزز الشعور بالتزام أعمق نحو العالم من حولنا.
وفيما يلي نسخة معدلة بشكل طفيف من محادثتنا.

– إن المفهوم السائد عن السعادة اليوم هو شيء يصب إلى حد ما في خانة تحقيق الذات والذي ترجع جذوره إلى “حركة الإمكانات البشرية” الناشئة في الستينيات والتي تقوم فكرتها على إننا نكون سعداء إذا حققنا الاستغلال الكامل لكل إمكاناتنا كبشر وعشنا بشكل أصيل وصادق.
أنت تسمي هذا “فنتازيا السعادة”، لماذا؟

= أعتقد أن البشر كوّنوا أوهاماً أو خيالات حول السعادة عبر جميع العصور ولكن تبقى معرفة ماهية السعادة في الواقع أمراً مستحيلاً من وجهة نظري، بيد أنه يمكننا أن نرى السعادة على إنها انعكاس للقيم المتوافق عليها خلال حقبة زمنية معينة بحيث تتطور هذه القيم عبر الزمن وبالتالي دائماً ما نجد علاقة وطيدة بين الأخلاق الشائعة والطريقة التي ننظر بها إلى مفهوم السعادة.
إن الأمر المثير للاهتمام بالنسبة لي هو إن هذا التصور المثالي حول السعادة التي يمكننا تحقيقها بشكل كامل كبشر في حياتنا لم يتبادر إلى أذهاننا حقاً إلا مع بزوغ حقبة عصر التنوير وإن نظرتنا الحالية للسعادة لم تصبح المعيار الثقافي السائد في المجتمع الغربي في واقع الأمر إلا مع انتصاف القرن العشرين.

– كيف حدث هذا؟ وما هي القوى الثقافية التي تآمرت لترسيخ هذه النظرة تجاه السعادة؟

= حسنا، وكما هو الحال مع جميع الحقب التاريخية، يمكنك اختيار المدى الذي تريد أن ترجع فيه عبر الزمن، ولكني أعيدها إلى بدايات القرن العشرين مع بداية حركة التحليل النفسي؛ على الرغم من أن (سيغموند فرويد) لم يرَ أن البشر قد خلقوا خصيصاً للسعادة إلا إن هناك شخصيات أخرى انبثقت من تلك الحركة، مثل المحلل النفسي النمساوي (وليام رايش)، والذي روج لفكرة أن السعادة مرتبطة بالحب الحر والجنس الحر، و قد تم تبني هذه الأفكار من قبل البوهيميين الأوائل في أربعينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي وقت لاحق من قبل حركة الثقافة المضادة في الستينيات والسبعينيات.
أصبحت السعادة تتمحور بشكل متزايد حول مفهوم التحرر الشخصي والسعي وراء حياة أصيلة وصادقة وبالتالي أصبح يُنظر إلى السعادة على إنها مسعى فرداني بحت يتمحور حول الحرية الداخلية والتنمية الداخلية للفرد ولا يزال هذا هو الأساس الذي تميل إليه ثقافتنا لتحديد مفهوم السعادة.

– كيف لحركة مناهضة لهيمنة المصالح الخاصة أو الشركات في ستينيات القرن الماضي، والقائمة على فكرة التحرر الشخصي والحرية الجنسية أن تتأثر وتتبنى الشيء ذاته الذي لطالما رفضته وأدانته – أي ثقافة الاستهلاك؟

= هذا هو ما تناولته حقاً عبر معظم صفحات كتابي؛ بحلول نهاية الستينيات كان هناك شعور بأن المجتمع لا يسمح للناس بأن يكونوا أصيلين وصادقين، وبأن الشركات هي العدو، إذ كان الناس متعطشين للتضامن ورأوا أن حياة الشركات كانت حياة ميتة وذات بعدين، وهذا أمر قوي للغاية من شأنه أن يقلب المجتمع رأساً على عقب.
ولكن ما يحدث عندما تنتقل من السبعينيات إلى الثمانينيات هو إن الظروف السياسية تبدأ في التحول وتبدأ الشركات في التطرق إلى كل هذه المخاوف، حيث ترى مقالات في أماكن مثل (هارفارد بيزنس ريفيو) عن كيفية جذب “روح ثورية” واستقطاب الشباب نحو عالم الشركات.
من الواضح أن هناك الكثير ليُقال بشأن كيفية حدوث ذلك، ولكن الخلاصة هو أن الشركات الأمريكية وقطاع الدعاية والإعلان غيروا تكتيكاتهم ولغتهم، وتمكنوا من احتواء اتجاهات الثقافة المضادة هذه بشكل فعال، في الوقت نفسه، كان هناك قادة مثل رونالد ريغان ومارغريت تاتشر يعملون على تعزيز مفهوم فرداني للغاية عن السعادة، والنزعة الاستهلاكية وقد كان لكل هذا تأثير كبير على الثقافة والأوضاع السياسية في مجتمعاتنا.

– لقد ذكرت أمراً أعتقد أنه يستحق منا تفصيلاً أكبر؛ أظن أن كارل ماركس كان يحمل الكثير من الأفكار المغلوطة لكن إحدى الأفكار التي كان مصيباً بشأنها هي تلك التي تقول بأن القيم الثقافية تشكل انعكاساً للنظام الاقتصادي السائد، وليس العكس، وكما أشرت في كتابك فإن فكرتنا عن السعادة قد تحولت لكي تجعل منا مستهلكين ومنتجين أفضل، وهذه ليست مجرد صدفة.
فهل يوجد هناك أي طريقة قد تمكننا حقاً من تغيير مفهومنا الجماعي عن السعادة دون تغيير البنية الاقتصادية التي تؤطر هذا المفهوم؟

= إنه سؤال وجيه حقاً، أعتقد أن الجواب الصادق هو على الأرجح لا، ولكنه يبقى سؤالاً شائكاً، من الأمور التي أريد أن أقولها في هذا الكتاب هو إنه لولا النظام الاقتصادي القائم الآن لما كنا لنصل إلى فكرتنا هذه عن السعادة.
النقطة الرئيسية في الكتاب هي أن تصورنا الآني عن السعادة، وهذا السعي وراء الأصالة والحرية الشخصية ربما كان هدفاً نبيلاً في يوم من الأيام، ولكن بمرور الوقت تم تبني هذه القيم وتحويلها واستخدامها للتعايش مع حالة غير عادلة وغير مرغوب فيها بعمق.
لا يمكننا في الواقع أن نقارن بدقة بين السعادة اليوم والسعادة منذ خمسين أو مئة سنة، ولكن هذا الهوس لتحقيق الرضا عن الذات وفكرة أن شراء وجمع المزيد من الأشياء أمر سيجعلنا سعداء، أدت بنا إلى عالم غير متكافئ بشكل مذهل وجعلت الناس في رأيي أقل نجاحاً وأكثر فراغاً من الداخل.

– هل تعتقد أن ثقافتنا الموغلة في الفردانية سببت لنا خيبة الأمل؟ بعبارة أخرى، هل يمكن أن نكون سعداء حقاً إذا كان هدفنا الأساسي هو تحقيق الرضا الذاتي؟

= لا أظن ذلك لأني أعتقد أن هذا ينتهي إلى ما نحن عليه الآن من ثقافة فردانية مفرطة، وقدرة تنافسية عالية وعزلة شديدة؛ أعتقد أننا نجد أنفسنا في نهاية المطاف في وضع يشعر فيه الناس بالقلق والتوتر باستمرار حيث تنكسر الروابط بين الناس، ويُسحق أي شعور بالتضامن.
أعتقد أن الإحساس الحقيقي بالسعادة يجب أن يكون إحساساً جماعياً؛ منذ فترة طويلة ونحن ننظر إلى أفكار السعادة الجماعية على إنها أفكار بشعة أو مريبة أو شمولية، لكن لا يجب أن تكون كذلك، أعتقد أننا بحاجة ماسة إلى إعادة تصور ما قد تبدو عليه السعادة الجماعية في عام 2018.

– سأتطرق مجدداً إلى فكرة إعادة التصور المحتملة هذه، ولكن أعتقد أن هناك فكرة شائكة يجدر مناقشتها أولاً؛ ترتكز الرأسمالية على مجموعة من الافتراضات حول الطبيعة البشرية من قبيل أن البشر يهتمون بمصالحهم الشخصية ومهووسون بالمكانة والهيبة وإنهم يميلون للتنافس بطبيعتهم، ولكن إذا كانت جميع هذه الافتراضات خاطئة، لما كان من المرجح أن تعمل الرأسمالية على النحو الجيد الذي تعمل به، ماذا يعني كل هذا بالنسبة إليك؟

= أعتقد أن هناك رغبة أساسية عند الإنسان بأن يشعر بالارتباط بأشخاص آخرين، ولكنني أعتقد أيضاً بأن الرأسمالية كانت ناجحة جداً في تقديم الحياة البشرية وكأنها مجرد سعي إلى تحقيق الذات، غير أن ذلك كذب، لأن الحياة البشرية أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، وكل واحد منا يعتمد على أشخاص آخرين في حياته بطريقة قلما نقدرها.
مع ذلك فأنت على حق، فالرأسمالية مثلها مثل أي إيديولوجية سياسية أو اقتصادية تلامس وتجتذب شيئاً حقيقياً في الطبيعة البشرية ودائماً ما بررت ذلك بتحقيق المتعة والرضا وتعد هذه رسالة قوية فليس بالضرورة أن يكون الإنسان بطبيعته نرجسياً أو تنافسياً، ولكن إذا ما وضعته في نظام يحفز هذه الأمور فمن الواضح أنه سيصبح كذلك.

– يركز كتابك على العالم الغربي، فهل تعتقد أن الشرق بتقاليده الدينية والثقافية المختلفة يتمتع عموماً برؤية أفضل عن السعادة مقارنة بالعالم الغربي؟

= لا شك في ذلك، ولكن لا بد لي من أن أكون صادقاً وأقول إنني لا أعرف ما يكفي عن تلك التقاليد لأتحدث بالتفصيل عنها، غير أنني أعتقد أن الثقافة الغربية تبنت بعض هذه التقاليد والممارسات، مثل التأمل، من أجل أن تكون أكثر قدرة على التعامل مع الوضع الحالي ولكنها ربما تفتقد إلى الجزء الآخر الأكثر أهمية والذي يتعلق بالتحرر من الذات.

– هذا أمر مثير للاهتمام ويبدو لي صحيحاً حيث أجد أن الكثير من الناس يأخذون بعض الممارسات من ثقافات أخرى مثل التأمل أو اليوجا، ثم يجردونها من جذورها الثقافية أو الروحية ويحولونها إلى مجرد أداة أخرى لتحقيق الذات.

= أعتقد أن هذا صحيح تماماً.

– لقد قلت في وقت سابق أننا بحاجة إلى خلق تصور جديد عن السعادة يكون أقل تمركزاً حول الذات وأكثر اتصالاً بالواقع في العالم حولنا. كيف يبدو هذا المفهوم عن السعادة، وكيف يمكننا خلقه؟

= الشيء الذي لاحظته عندما كنت أتتبع جذور هذا التصور عن السعادة هو إن الداعين له كانوا بشكل حصري تقريباً من الذكور، أي إن الرجال كانوا هم دائماً من يصوغون رؤيتهم عن السعادة، ويؤكدون على القيم المهمة بالنسبة لهم والتي تعزز شعورهم بالإنجاز والمتعة، وأعتقد أن هذا أمراً يستحق التنويه به.
أما بالنسبة لسؤالك، فأعتقد أن تصور السعادة الجديد سيقر أولاً وقبل كل شيء بأن هذه القيم قد استُخدمت لاستغلال الأشخاص في العمل، واستخدمت للتعايش مع حالة من عدم الاستقرار والتقشف، وحتى نتمكن من خلق هذا التصور الجديد سنحتاج إلى مجموعة مختلفة من القيم، وأعتقد أن هذا يبدأ بوعي جماعي أكبر.
بدلاً من الهوس بالسعي وراء الكمال وتحقيق الذات، ربما يجب أن نهتم أكثر بالمساواة والمجتمع والهشاشة والتعاطف وربما يجب أن نتحرر من ذواتنا ونتصل أكثر بالعالم من حولنا؛ أعتقد أن هذه هي الطريقة التي يمكن أن نبني بها عالماً أفضل.

المقال باللغة الإنجليزية: هنا

التدوينة تاريخ السعادة يفسر لماذا جعلتنا الرأسمالية أكثر فراغاً من الداخل ظهرت أولاً على Iraqi Translation Project.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق