سياسة

جوردن بيترسون والفاشية الصوفية

كتبه لموقع (nybooks): بانكاج ميشرا
ترجمة: آمنة الصوفي
تدقيق: عمر أكرم المهدي
تصميم: احمد الوائلي

’’يجب على الرجال أن يكونوا أشداء‘‘، هذا ما كتبه جوردن بيترسون في كتابه (12 قاعدة للحياة: علاج الفوضى، هذا ما يطلبه الرجال، وتريده النساء).

القاعدة الأولى هي: «قف باستقامة وفخر، لا تغفل عن تطهير محيطك، يُرمَز للوعي بالقوة منذ أزل التاريخ»، وأيضًا: «تتوق روح الفرد إلى البطولة الحقيقية في هذا الوجود». العديد من مثل هذه التصريحات — التعليمية والميتافيزيقية، والتي تنحصر بين عبثية الصَواب السياسي إلى «عبء الكينونة» — قد حوّلت بيترسون، من أستاذ في علم النفس في جامعة تورنتو، إلى شخصية مؤثرة على اليوتيوب ومؤلف حصد أكثر المبيعات نجاحًا في العديد من الدول الغربية. «12 قاعدة لأجل الحياة» هو الكتاب الثاني لبيترسون خلال عشرين عامًا.

في استفتاء تم إجراءه على موقع Buzz Food، حصدت جبهة بيترسون الفكرية التقييم الأعلى من قبل روّاد الموقع وبسرعة مذهلة. إذ عُزّز هذا الاستفتاء، كما يجري في التكتلات السياسية الحالية، من قبل أتباع الموقع من الذكور والمستهجنين، الذين يُبدون استعدادهم دائمًا لمصارعة منتقديه على وسائل التواصل الاجتماعي. إنها حاجة ملحّة لطرح الأسئلة عن الأسباب التي جعلت هذا الكندي الغامض، والذي يُصر على أن الجنس والطبقية مرتبة حسب الطبيعة ومُصادَق عليها من قبل العِلم، فجأة الشخصية الأكثر تأثيرًا في الغرب. لدرجة جعلته يتحدث عن أزمة لا تقل عمقًا عن الأزمة التي تدل عليها قيادة دونالد ترامب غير المتوقعة للعالم الحر. يعتَبر بيترسون أن هذه الأزمة هي فقدان الاعتقاد بالمزايا الأصيلة. قائلًا: ’’لقد انسلخنا في الغرب عن التقاليد والدين، وتخلّينا عن ثقافتنا القومية‘‘. في محاولة منه للتخفيف من «تعاسة اللا مغزى» والعودة إلى «الحِكمة القديمة». كما يؤكد على إمكانية تجنّب «العدمية، و «إيجاد معنى كاف في الوعي والخبرة البشرية» مستعينًا «بالأساطير العظيمة والقصص الدينية من الماضي.»

واتباعًا لمنهج كارل يونغ، يُشير بيترسون إلى «الأنماط البدائية» في الأساطير، والأحلام والأديان، بكونها تُحدّد الحقائق التي تدور حول الطبيعة البشرية منذ أزل التاريخ. و «الحضارة» باعتبارها واحدة من حججه النموذجية، «تُعتبر ذكورية من الناحية الرمزية، النموذجية والأسطورية» — لذا فإن مناهضة الهيمنة الذكورية هي حالة غير طبيعية. فالرجال يمثلون النظام، والأنوثة، رمزًا، تشير إلى الفوضى. وبعبارة أخرى، الرجال يقاومون الشكل الثابت والأولي للذكور والإناث، وهم خاسرون مثيرون للشفقة إن فشلوا في تحقيق الهيمنة. إنّ هذه الحقائق الأزلية الثابتة لم تعد تُطرح في الدراسات الحديثة. فقد أُهمِلت تكهنات يونغ إلى حد كبير. لكن آراء بيترسون، مدعومة بكتابه «خرائط المعاني»، لم تكن سوى عصيانًا لزملائه الأكاديميين الذين يميلون إلى التأكيد على الطبيعة الاجتماعية المشروطة بمفهومنا الخاص عنها. كما هو الحال مع يونغ، يُقدم بيترسون بعض الآراء شبه الدينية الغريبة كعلمٍ تجريبي، وكثيرًا ما يستحضر علم النفس التطوري لدعم مفهومه عن الحكمة القديمة.

ومع ذلك، فإن التمحيص في آراء بيترسون يكشف عن رؤيته الثابتة كنتاج نموذجي، إن لم يكن نمطًا بدائيًا، لأزماننا: التيار اليميني الذي يخلق من نفسه أسطورة جذّابة للأجيال الحالية الضالة.

يُدين بيترسون بصحوته الفكرية للحرب الباردة، عندما بدأ يتأمّل بعمق مثل هذه «الكوارث المرتبطة بالإيمان» مثل هتلر وستالين وماو، وأصبح في قراءاته قريبًا لــ (أرخبيل جولاغ).. هذا هو المسار الفكري المشترك للتيار اليميني الغربي؛ فهم يستشهدون بسولجينتسين (باعتباره ناقدًا دائمًا للنظام السوفيتي ولروسيا ما بعد الشيوعية/ المترجم)، ويميلون إلى القول بأن الاعتقاد في المساواة يؤدي مباشرة إلى المقصلة أو الغولاج. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك هو المجادِل الإنجليزي دوغلاس موراي الذي يستنكر إعجاب الشباب بالسياسيين الأميركيين، أصحاب التوجهات الديمقراطية الاشتراكية، بيرني ساندرز وإليزابيث وارين، ويتمنى أن تكون فكرة المساواة «ملطخة بسلطة أيديولوجية مكافئة لتلك التي تستند على مفهوم الحدود». يؤكّد بيترسون انتمائه لهذه الطائفة اليمينيه المتطرفة من خلال عدم تعريف الشرور (أو الكوارث) الناتجة عن الأرباح والجشع على أنها: عبودية وإبادة جماعية واستعمار.

من المؤكد أن الرجال البيض من الرجعيين سيشعرون بالابتهاج لاشمئزاز بيترسون من «محاربي العدالة الاجتماعية» وادعائه أنه لا ينبغي إزالة القيود على قوانين الطلاق في الستينيات. سوف يؤيد أولئك الذين تم تجنيدهم لمحاربة الصواب السياسي في حرم الجامعات، ادعاء بيترسون بأن «هنالك قواعد سلوكية في الجامعات معادية بشكل مباشر تجاه الرجال». الذين يعانون من رهاب الإسلام سوف يقتبسون من تكهناته بأن «النسويات يتجنّبن انتقاد الإسلام لأنهن يفتقدن دون وعي للهيمنة الذكورية». أما التحرريّون فسوف يهتفون لتمجيد بيترسون للنضال الفردي، وخطابه الكالح تجاه المهزموين («ربما، ليس العالم على خطأ. ربما كنت أنت على خطأ. لقد فشلت في ترك بصمتك».) لا يقرأ الدوغمائيون، في عصرنا، الكثير. ولكن، في الوقت الذي ينهالون بقسوة على اللاجئين والمهاجرين، يمكنهم استلهام الكثير من الدعم الفلسفي من عناوين بيترسون الفرعية مثل “العاطفة بوصفها رذيلة» و «تشجع أيها الجبان».

من جميع النواحي، فإن الحكمة القديمة لبيترسون حديثة بلا شك. فالتراث الذي يسعى لتعزيزه لا يمتد إلى ما هو أبعد من أواخر القرن التاسع عشر، عندما ظهر لأول مرة ترابط مشؤوم بين الحث الفكري للوصول إلى الهيمنة وبين سياسة القوة الذكورية. كانت هذه الفترة التي ازدهرت فيها أفكار الشعوذة من خلال عقائد الخلاص والتطهير، فيما تعمقت الأزمات السياسية والاقتصادية، وتعثر الإيمان بالديمقراطية والرأسمالية. قام العديد من الفنانين والمفكرين — بدءًا بالفيلسوف الألماني لودفيج كلاجيس، العضو في حلقة ميونيخ الكونية ذات النفوذ الكبير، إلى الرسام الروسي نيكولاس روريش والناشط الهندي أوروبيندو غوش — على غرار بيترسون، بتجميع أجزاء من مفاهيم التنجيم وعلم النفس والبايولوجيا في إطار فكري واحد. كان هؤلاء الرومانسيون الجدد يستجيبون، بنفس طريقة بيترسون، لحاجة ملحة، إلى الإيمان في أي طمأنينة وراحة بسبب الاصطدام بالحياة الاجتماعية والاقتصادية الحديثة.

هذا النمط المستحدث من الإيمان ينتمي حصريًا إلى فترة ما قبل الحداثة. أصبح الشرق، الهند على وجه الخصوص، قبلة الغربيين الباحثين عن الروحانية. يونغ، من بين آخرين كثيرين، مضى للبحث عن الذات الأنثوية السرمدية. في عام 1910، لخص رومان رولاند الطابع السائد آنذاك و الذي جار في كنف الليبرالية، وكان كثير من الناس يتوقون لاستبدال مفاهيم التنوير للعقل المنطقي بمثل هذه النُسق الروحانية كالأنماط البدائية. ’’لقد أُعيد فتح بوابة الأحلام،‘‘ كتب رولاند، و ’’في الدين سيجدون القليل من نفحات الحكمة الإلهية والتصوف والإيمان الخالص، لتجد سبيلًا في فجوات العقل الغربي‘‘.
مجموعة من الرجال المفكرين، من الثيوصوفيين والمروجين للروحانية الآسيوية مثل فيفيكاناندا و دي تي سوزوكي والباحثين في آسيا مثل آرثر ويلي والأيديولوجيين الفاشيين مثل يوليوس إيفولا قدموا عروضًا في الساحة الفكرية. وقام بييتس بتقويم الفلسفة الهندية تماشيًا مع نهوض الحضارة السلتية ونصبها على عرش الذات العتيقة. أما كارل يونغ فقد نسج ادعاءاته اعتمادًا على هذا اللاوعي الموروث. إن هذه المسميات ذات المفاهيم الضبابية مثل «الروح» و «الحدس» اكتسبت شعبية واسعة حتى أصبحت كلمات بيترسون المفضلة كالفوضى والكينونة تبتدأ بأحرف كبيرة. يمكن تتبع مسار بيترسون الخاص بين هؤلاء المعالجين لروح الإنسان الحديث من خلال تأثره المتكرر ليس فقط بكارل يونغ، بل أيضًا بميرسيا إلياد، عالم الدين الروماني، وجوزيف كامبل، الأستاذ بكلية سارة لورانس، الذين، مثل بيترسون، جمعوا بين مهنة أكاديمية تقليدية مع تأملات فكرية عن أشخاص بطوليين.

بدأ «اليأس بسبب العدمية» ينتشر على نطاق واسع في أواخر القرن التاسع عشر، وتعاظم في السنوات التي تلت الحربين العالميتين والهولوكوست. اجتمع جونغ وإليادي وكامبل، وكلهم معتمدين في التعليم الجامعي، على وجود معرفة غامضة وشبه غنوصية عن العالم. مدعين تسليط الضوء على فجوات اللاوعي البشري، وحصدوا الإعجاب من المتعصبين والمخلصين التابعين لهم. وأثارت المقابلات التلفزيونية التي أجرتها كامبل في عام 1988 مع بيل مويرز رد فعل رد استثنائي بشكل خاص. كما هو الحال مع بيترسون، فإن هذا المروج للأساطير السحيقة، الذي يعتقد أن «الفلسفة الماركسية قد استولت على الجامعة في أميركا»، كان متناغمًا بشكل ملحوظ مع البرجوازية المعاصرة. كقوله «اتبع نعيمك الخاص»، ونبّه الحاضرين، خلال حقبة ازدهار المحافظين الجدد، على الإطمئنان بأن بعض الحكمة القديمة تكمن في أنشودة آين راند للوصول إلى الفردانية الحرة.

لكن بيترسون، على ما يبدو، قد صاغ شخصيته العامة اعتمادًا على يونغ بدلًا من كامبل. كان الحكيم السويسري يرتدي خاتمًا مزخرفًا برسوم ثعبان – رمز النور في عبادة غنوصية قبل المسيحية. يدّعي بيترسون أنه قد تم إدخاله في «قبيلة باسيفيك كوواكواكاواكو الساحلية»؛ من الواضح أنه فخور بفناءه الطويل في منزله في تورنتو الذي يحمل الطراز الأميركي الأصلي.
من الجدير أن نتذكر أن يونغ قد شدّد بلا هوادة على «الروح الآرية» المتفوقة و «الروح اليهودية» الأدنى، وكان في البداية متعاطفًا مع النازيين. كان ميرسيا إلياد مناصرًا للحرس الحديدي الفاشستي في رومانيا. إن كراهية كامبل للأكاديميين الماركسيين في كليته أخفى كراهيته الشديدة لليهود والسود. كان سولجينتسين، ملهم بتيرسون الموقر، متعصبًا للتوسّع الروسي، حيث شجب استقلال أوكرانيا وأشاد بفلاديمير بوتين باعتباره الرجل المناسب لقيادة روسيا والنهوض بها.

لا يعترف بيترسون في أي محلٍّ من كتاباته المنشورة بالإخفاق الأخلاقي لمرشديه وعواقبهم السياسية. يبدو أنه غير محبط بحقيقة أن التفكير في العلاقات الإنسانية بمفاهيم مثل الهيمنة والتسلسل الهرمي يرتبط بالشرور كمعاداة النساء ومعاداة السامية وكراهية الإسلام. وقد يجادل بأن خرائط المعاني الخاصة به تهدف إلى مساعدة الأفراد الضالين بدلًا من العنصريين، أو القوميين المتطرفين، أو الإمبرياليين. لكنه لا يستطيع أن يدعي على نحو معقول، في ضوء ما أعلنه عن النسويات بوصف معتقدهن بالإنصاف القاتل، والأفكار التقدمية الأخرى، بأنه فوق الصراع بين الحروب الأيديولوجية والثقافية.

في الواقع، لم يكن الافتتان الحديث بالأسطورة خالٍ من أي أجندة غير ليبرالية ومعادية للديمقراطية. أصبح ريتشارد فاجنر، إلى جانب العديد من القوميين الألمان، سيئ السمعة لاستخدام التراث لإنعاش العرق الآري وإذكاء الكراهية على الغير – معظمهم من اليهود – الذين اعتقدوا أنهم يلوثون المجتمع النقي المتأصل في الدم والتربة. وبحلول أوائل القرن العشرين، كان الشوفينيون العرقيون والعنصريّون في كل مكان – وهم المتفوقون الهندوس في الهند وكذلك القوميون المتطرفون الكاثوليكيون في فرنسا – يقدمون رؤىً لشعوب منتزعة من مجتمع عضوي متجذر كان فيه التراتبية والقيم مستقرًا. وكما تشير كارلا بويي في كتاب (الأديان الجديدة والنازيون) (2005)، فإن الطغاة السياسيين عادة ما يمزجون بين «القطع من التقاليد اليوغية والإبراهيمية» مع «المفاهيم الشعبية للعلوم» أو بالأحرى العلوم الزائفة – مثل مفاهيم «العرق». علم تحسين النسل، أو «التطور». كان هذا المزيج من الأفكار هو الذي ساعد في تغذية «الأساطير الجديدة للأنظمة الشمولية المحتملة».

يقف بيترسون اليوم معاديًا «للعاطفة»، بحجة أن الرجال قد «دُفعوا بقوة للتخنّث». في كتابه الأكثر مبيعًا (الانحطاط) (1892)، شدد الناقد الصهيوني ماكس نورداو، قبل أكثر من قرن من قبل بيترسون، على الخوف من أن الإمبراطوريات و دول الغرب مأهولة بالسكان الضعفاء والمخنثين والمنحطين. حدد الفيلسوف الفرنسي جورج سورل الأسطورة على أنها العلاج الضروري للانحطاط ودعامة الازدهار. كان سوريل مصدر إلهام فكري للفاشيين في جميع أنحاء أوروبا، وكان توّاقًا إلى الأنظمة البطريريكية في إسرائيل القديمة واليونان.

وشأنهم شأن بيترسون، رأى العديد من هؤلاء المفكرين المنادين بالهيمنة الذكورية العاطفة رذيلة وعيبًا؛ وحثوا الرجال المتزعزعين على تغليظ قلوبهم تجاه المستضعفين من النساء والأقليات على أساس أن هذا الأخير كان أدنى درجة من الناحية البيولوجية والثقافية. والإشادة بالأساطير والأحلام باعتبارها مستودعًا للحقائق الإنسانية الأساسية، أصبحوا ذائعي الصيت لأنهم لبّوا توقًا بشريًا للروحانية من الرجال الذين كانوا يبحثون بشدة عن خرائط المعنى في عالم وجدوا أنه مبهم وغير قابل للسيطرة.

كان هذا وبشكل غريب «انقلابًا ضد العالم الحديث»، كما وصفها ايفولا في كتاب له في عام 1934 – حيث ظهر الدوغمائيون بسرعة كبيرة في أوروبا في القرن العشرين الذين مجدوا الأساطير القومية والعرقية على أنها مصدر الرخاء للفرد والمجتمع. تطلبت هذه التغييرات الجذرية في شخصية الفرد التي نادى بها أصحاب الرؤى اعتزالًا متطرّفًا وقهريًّا للحداثة الليبرالية الفاشلة واعتناق عالم تقليدي مثالي من الأسطورة والشعائر.
في النهاية، تسبب هؤلاء المتحذلقون الحالمون على لسان توماس مان في عام 1936، في إحداث «انهيار أخلاقي» من خلال تقديسهم لللاوعي – الذي «لا يعرف أيًا من القيم، لا خيرًا ولا شرًّا، ولا فضيلة». مجرد انهيار في الأسس المعرفية الأخلاقية السياسية والعلمية، مما تسبب في نهاية المطاف في كارثة القرن العشرين: حربين عالميتين، وأنظمة استبدادية، والهولوكوست. ليس من المبالغة القول إننا في خضم انهيار فكري وأخلاقي مماثل، يبدو أنه ينذر بكارثة كبيرة. يصفه بيترسون، بشكل صحيح، «بالانحلال النفسي والاجتماعي». لكنه مجرد عرض مربك للوهن الذي يوعد بالشفاء منه.

رابط المقال باللغة الانكليزية: هنا

التدوينة جوردن بيترسون والفاشية الصوفية ظهرت أولاً على Iraqi Translation Project.

اظهر المزيد

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى