فهرس إكس

حريق مكتبة الإسكندرية؛ متهمون كثر وفرضيات عدة

تاريخ المكتبة ووصفها :

تُعدّ مكتبة الإسكندرية من أشهر المكتبات في العالم القديم وأكبرها، فقد جمعت عددًا من مؤلفات المفكرين والأدباء كـ(أفلاطون) و(هومر)، ويُعتقد أن حريقًا هائلًا أتى عليها منذ ألفي سنة؛ ما جعل الأدباء والمؤرخين والباحثين يبكون خسارة كنوزها الأدبية والمعرفية. لكنّ المفاجئ هو انعدام الآثار المعمارية واللقى الأثرية بالنسبة إلى صرح مشهور في ذلك الزمان، ما ألقى بظلال من الشك في وجود المكتبة بالشكل الذي نتصوره اليوم.
يلف الغموض تأسيس المكتبة ويُعتقد أن حاكم أثينا المنفي (ديميتريوس) أتى إلى (بطليموس الأول) الذي حكم مصر بعد وفاة (الإسكندر الأكبر) وجعل عاصمته في الإسكندرية، وأقنعه ببناء مكتبة تمتلك نسخة من كل كتاب في العالم لتُنافس بذلك أثينا نفسها. برعاية (بطليموس)، أكمل (ديميتريوس) بناء “معبد آلهة الإلهام” – Musaeum بوصفه مجمّعًا يحتوي على عدد من الأبنية على غرار مدرسة (أرسطو) في أثينا الذي أصبحت مركزًا للمحاضرات والمناقشات الفلسفية.
كان من المفترض أن يكون هذا المعبد البناء الأول في مُجمع المكتبة وقد بُني ضمن أراضي القصر الملكي في الحي اليوناني. إضافة إلى كونه مركزًا دينيًا ومزارًا لآلهة الإيحاء التسع، احتوى المعبد على ساحات للمحاضرات ومراصد وحدائق مختلفة وغرفًا للنوم والطعام والمكتبة نفسها. وكان المجمع بإدارة كاهن يعين من قبل بطليموس نفسه، إضافة إلى أمين مستقل يُعنى بالمخطوطات. أما في عهد (بطليموس الثاني) فقد بُنيت المكتبة الملكية التي احتوت على المخطوطات معظمها. وحينها بدأت معالم هذا الصرح -بصفته مكتبة عالمية- تتضح. حيث ضمت أكثر من مئة باحث عملوا على تدريس المخطوطات ونشرها وترجمتها ونسخها وجمعها من اليونان ومصر وآشور وفارس وحتى النصوص الدينية العبرية والبوذية.


Image: https://cdn.britannica.com/s:300×300/51/124251-004-DC1849D1.jpg?fbclid=IwAR1GXygcLGrlHYPiogHQkV_R9kbaooZaT61s1DSKyEia-JKWNHAzfsJxDTs

أما (بطليموس الثالث) فقد عرف بعطشه المعرفي حتى أنه أمر السفن التي ترسو في ميناء الإسكندرية بتسليم كل ما تحتويه من مخطوطات إلى السلطات لتُنسخ وتُرسل هذه النسخ إلى كتبتها بعد الاحتفاظ بالنصوص الأصلية في المكتبة. هذا الاهتمام والرفد كله أدى إلى جمع حوالى 500،000 لفافة ما اضطرهم إلى بناء مكتبة فرعية في الحي المصري.

الحريق والمتهمون :

شكل دمار مكتبة الإسكندرية محط جدل بين المؤرخين منذ قرون بعيدة، إذ اختلفوا على حجم الدمار والخسائر التي حصلت. إلا أن المتهم الرئيسي بدمارها هو (يوليوس قيصر) في 48 ق.م بحسب المؤرخين أغلبهم. فبعد احتلاله للإسكندرية، وجد القيصر نفسه محاصرًا في القصر الملكي من قبل الأسطول المصري، ما دفعه إلى أمر قواته بإحراق سفن الأسطول. لكن للأسف امتدت الحرائق إلى مناطق المدينة القريبة من الشاطىء.


Image: https://collectionapi.metmuseum.org/api/collection/v1/iiif/192717/1681779/main-image

على الوجه الآخر هناك بعض المؤرخين ممن تصوروا المكتبة بطريقة أقل أهمية. هؤلاء اعتمدوا على كتابات الفيلسوف (سترابو) الذي كان يعمل في الإسكندرية عام 20 قبل الميلاد. هذه النصوص أغفلت ذكر المكتبة تمامًا واكتفت بذكر المعبد الذي كان جزءًا من القصر الملكي وقاعة الطعام التي كانت تجمع المعلمين. هذه الأدلة توحي أنه بعد احتلال (يوليوس قيصر) كانت المكتبة ما تزال قائمة إلا أنها فقدت أهميتها السابقة، ما دفع المؤرخين إلى البحث عن متهم آخر.
هذا المتهم هو الإمبراطور (ثيودوسيوس الأول) الذي أمر بتدمير معبد سيرابيس في سعيه للقضاء على الوثنية، ونُفّذ الأمر على يد (ثيوفيلوس) أسقف الإسكندرية في ذلك الوقت.
يعتقد بعضهم أن المكتبة الفرعية التي كانت قرب المعبد قد هُدِمت مع شقيقتها الكبرى في القصر الملكي في الوقت نفسه. إلا أن السجلات لا تظهر أن المكتبة الملكية قد بقيت قائمة حتى القرن الرابع الميلادي ولا تذكر المصادر هدم أي مكتبة في ذلك التاريخ إلا المؤرخ البريطاني (غيبون) الذي حمّل (ثيوفيلوس) المسؤولية.
أما المتهم الأخير في تدميرها فهو الخليفة (عمر بن الخطاب) إذ سيطر المسلمون على الإسكندرية في 640 للميلاد بعد حصار طويل. حيث نقل عن الخليفة قوله معلقًا على المكتبة: “وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة بنا إليه” ثم جمعت الكتب والمخطوطات واستُعملت وقودًا لحمامات المدينة ستة أشهر. تستند هذه الفرضية إلى الموسوعي (ابن العبري) الذي ذكر هذه الحادثة بعد 300 سنة من وقوعها ما يشكك في صحتها خصوصًا أنه من شبه المؤكد أن المكتبة كانت قد اندثرت قبل ذلك الوقت.

في النهاية، من المتعذر تحديد الحادث الوحيد الذي قضى على مكتبة الإسكندرية ومحتوياتها لأن المدينة كانت مسرحاً لعدد من الحروب والفتوحات وبخاصة في العهد الروماني كما حدث مع يوليوس قيصر، إضافة إلى الحروب بين (أوريليان) و(زنوبيا) ملكة تدمر في القرن الثالث الميلادي حين استرجعت قوّات (أوريليان) المدينة بعد دمار كبير حّول الحي اليوناني الذي بُنيت المكتبة الملكية فيه إلى صحراء.
وبعدها دُمّرت المدينة مُجددًا من قبل الإمبراطور (ديوكليتيان). هذه الحروب كلها إضافة إلى الإهمال واللامبالاة ترجح فرضية الاندثار التدريجي للمكتبة خلال حقبة تزيد على أربعمئة أو خمسمئة عام.

الحواشى :

[1] ديمتريوس الفيلاروني: 350 – 280 ق.م  فيلسوف ورجل دولة أثِني تسلّم حكم أثينا إلى أن عادت الديمقراطية القديمة مما اضطره للهرب إلى طيبة ثم مصر حيث أصبح من الأعضاء المعروفين في بلاط بطليموس الأول.
 
[2] بطليموس الأول – سوتر: 367 – 282 ق.م قائد عسكري من قادة الإسكندر الأكبر مؤسس دولة البطالمة في مصر على أنقاض إمبراطورية الاسكندر وكانت أكثر الدول التي أقيمت على تركة الإسكندر بقاء حيث لم تسقط حتى 30 ق.م على يد الرومان.
 
[3] بطليموس الثاني – فيلادِلفوس: 308 – 246 ق.م ملك مصر والملك الثاني من سلالة البطالمة الذي وسع سلطته من خلال الدبلوماسية والعمل السياسي وعمل على تنمية الإسكندرية زراعياً وتجارياً حتى أصبحت مركزاً هاماً للعلوم والفنون.
 
[4] بطليموس الثالث – يورغيتس: 285 – 222 ق.م الملك الثالث لمصر من سلالة البطالمة،أعاد توحيد مصر وبرقة كما انتصر في الحرب السورية الثالثة ضد المملكة السلوقية.
 
[5] غايوس يوليوس قيصر: 100 – 44 ق.م قائد عسكري روماني، احتل بلاد الغال (كانت تضم فرنسا وبلجيكا وجزء من ألمانيا) انتصرقيصر  في الحرب الأهلية الرومانية ثم أصبح دكتاتور الإمبراطورية الرومانية و بدأ بسلسلة من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية إلى أن تم اغتياله في مجلس الشيوخ في روما.
 
[6] سترابو: 64 – 21 ق.م مؤرخ وجغرافي يوناني وهو الوحيد الذي شملت دراساته جميع الأقوام والبلاد التي عرفها الرومان والإغريق وقدّمت شاهداً مميزاً عن العلوم الجغرافية اليونانية والبلاد التي نُقلت منها.
 
[7] ثيودوسيوس الأول: 347 – 395 م إمبراطور روماني للإمبراطورية الرومانية الشرقية ولكلتا الإمبراطوريتين (الغربية والشرقية) في آخر حياته، ثبّت العقيدة التي تم إقرارها في مجمع نيقية (325م) من خلال محاربة الوثنية بوحشية ثم أدار المجمع الثاني الذي أُقيم في القسطنطينية في 381م
 
[8] القديس ثيوفيلوس الأول: 330 – 412 م باحث ديني وبطريرك الإسكندرية، عُرف عنه محاربته للأديان والمعتقدات غير المسيحية في شمال أفريقيا ونقده للأفكار المُخالفة للعقيدة الأورثوذكسية بين المسيحيين.
 
[9] إدوارد غيبون: 1737 – 1794 م مؤرخ إنجليزي من أشهر أعماله كتاب تراجع وسقوط الإمبراطورية الرومانية.
 
[10] لوسيوس ديميتيوس أوريليوس: 215 – 275 م إمبراطور روماني أعاد توحيد الإمبراطورية الرومانية بعد أن كادت تتفكك تحت وطأة الغزوات الخارجية والثورات الداخلية.
 
[11] ديوكليتيان: 245 – 316 م، إمبراطور روماني استعاد سيطرة الحكومة الفاعلة على الإمبراطورية بعد أن كادت الفوضى تعصف بها في القرن الثالث الميلادي كما أعاد تنظيم الأمور المالية والإدارية والعسكرية فيها، وكان عهده نهاية ملاحقة المسيحيين.

المصادر : 

1- هنا

2- هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق