البيولوجي المتطورة

داءُ هنتنغتون وأملٌ جديدٌ لعلاجِ السَّرطان – الجزء الثاني

تحدثنا في الجزء الأول عن اكتشاف سمية جزيئات الـsiRNA وعن اختبار فعاليتها، وفي هذا الجزء، نتابع الحديث عن تطويرها والقدرة العالية التي تمتلكها لقتل الخلايا السرطانية

     5- تطويرُ جُزيئاتِ الـ siRNAs:
طُوّرت جُزيئات الرنا الصَّغير ARNs كَأداةٍ أصلًا لأجلِ دراسةِ الوظائفَ الجينيَّة التي تُشغّل الآليات المُخبَّأة في كُلِّ خليَّةٍ، والتي تُجبِرُ هذه الأخيرةَ على الانتحار.
وقد حُدِّدَ أوَّلُ جُزيءٍ بجامعة Northwestern Medicine؛ والذي يشغلُ هذه الآليةَ التي قد تحمينا من الإِصابة بالسَّرطان. فتطويرُ آليَّةِ جُزيئاتِ الرنا الانتحارية؛ أو ما يُعرَف بِالجُزيء القاتلِ بامتياز؛ تُعدُّ شكلًا جديدًا لِعلاج السَّرطان، ولا يُظهِرُ علاجُ الخلايا السَّرطانيَّة بهذه الجُزيئاتِ أيَّةَ مُقاومةٍ لهذه الخلايا ضِدَّ جُزيئات الرنا؛ وذلك لأنَّ هذه الأخيرةَ تقضي على الجيناتِ المُتعدِّدَةِ؛ وهي التي تحتاجُها الخليَّةُ السَّرطانيَّةُ للبقاءِ على قيدِ الحياة في الوقتِ نفسِه.

ويشبّهُ بيتر آليَّةَ عملِ جُزيئاتِ الرنا الانتحاريَّة في قتلِ الخلايا السَّرطانيَّةِ بشخصٍ ارتكبَ جريمةً؛ فقد طعنَ نفسه وأطلق الرَّصاص عليها وقفزَ من بناءٍ شاهقِ العُلوِّ في الوقتِ نفسِه؛ إذ إنَّه لا مفرَّ من الموتِ المَحتوم (هذا مثالٌ من العالِم لتقريب الفكرة).
وإنَّ عدم قُدرةِ الخلايا السَّرطانيَّة على تطويرِ مُقاومةٍ ضِدَّ جُزيئاتِ الرنا يُعدُّ سابقةً علميَّةً قد توصَّلوا إليها أوَّلَ مرَّة.

     6- لماذا تملكُ هذه الجُزيئات قدرةً عاليةً على قتلِ الخلايا السَّرطانيَّة؟

لقد عثرَ بيتر مع الأُستاذةِ المُساعدةِ مورمان على هذه الجُزيئاتِ القاتلة؛ باختبارِ نوعٍ من الرنا الصَّغيرة RNAs الموجودةِ عند المرضى بداءِ هنتنغتون، وقد سُمِّيت فيما بعدُ بـالرنا الصَّغيرة المُتَدَخِّلَة siRNAs؛ إذ استخدمها العلماءُ في قمعِ نشاطِ الجينات.
وقد صُمِّمَت هذه الـ siRNAs عن طريقِ أخذِ تسلسُلٍ صغيرٍ من الجِينِ المُرادِ استهدافهُ وتحويلِه إلى رنا مُزدوجٍ (ذي سِلسلتَين)، فعندَ إِدخالِ هذه الـ siRNAs في الخلايا تقمعُ التَّعبيرَ الجِينيَّ للجينِ المُشتقَّةِ منه؛ إذ وجدَ بيتر وفريقُه البحثيِّ عددًا كبيرًا من siRNAs من الجِيناتِ؛ والتي لم تَقمع الجينَ المُصمَّمَةِ ضِدَّه؛ ولكنَّها قتلت كُلَّ الخلايا السَّرطانيَّة.

فاكتشف بيتر وفريقُه حينها أنَّ هذه التسلسُلات الخاصَّةَ مُوزعةٌ في جميعِ الجينومِ البشريِّ؛ بل وهي تسلسُلاتٌ ضمنيَّةٌ تُعدُّ جزءًا لا يتجزَّأُ من جيناتٍ مُتعدِّدةٍ؛ فعند تحويل هذه التَّسلسلات الضّمنيَّة إلى siRNAs؛ فإنَّها تتصرَّفُ كَجُزيئاتٍ قاتلةٍ بامتيازٍ؛ إذ تقتلُ الخلايا عن طريقِ القضاءِ على جميعِ الجيناتِ المَسؤولةِ عن بقاءِ الخليَّة في الوقت نفسِه.

إذن؛ بإقصاءِ هذه الجيناتِ المسؤولةِ عن البقاء؛ فإنَّ الجُزيئاتِ القاتلةِ تُنشِّطُ مَساراتِ موتٍ مُتعدِّدَةٍ بالمُوازاة.

والـ siRNAs؛ أو جُزيئاتِ الرنا القاتلة (الجُزيءُ القاتلُ بامتيازٍ)؛ تشغّلُ آلةً يُسمِّيها بيتر بـ DISE، أو الموتِ المُستَحِثِّ بالقضاءِ على جيناتِ البقاءِ (Death Induced by Survival gene Elimination).

وعندما بحثَت العالمةُ مورمان في تكرارِ السَّلاسل في الجينِ الذي يُسبِّبُ داء هنتنغتون؛ وجدَت تَشابُهًا في تكوينِ جُزيءِ مُفتاح القتل القديم-The Kill-switch الذي وجدَه بيتر، فكلاهُما غنيَّانِ بالقواعد النّكليوتيديَّة C وG (التي تُشكِّلُ لَبِنَاتِ بناءِ الدنا DNA و الرنا RNA)، وقد أثارت هذه التَّشابهات فضولَهم كَعلماءٍ؛ إذ أوضحَت مورمان أنَّ سُميّةَ الجُزيئاتِ القاتلةِ ناجمةٌ عن الغِنى بالنّكليوتيدات C وG جَنبًا إلى جَنب.

     7- عقباتُ الدِّراسة البحثيَّة:
يقولُ بيتر: المشكلاتُ في الخلايا السَّرطانيَّةِ مُتنوِّعةٌ جدًّا على الرَّغم من أنَّ الأدويةَ المُصمَّمة لاستهداف نوعٍ واحدٍ من السَّرطان تسيطرُ على الجينِ المسؤولِ عن هذا النَّوعِ من السَّرطان في البداية؛ أي إنَّها تكونُ فعَّالةً في البدايةِ فقط، إلى حينِ تتوقَّفُ في النِّهايةِ عن العملِ؛ فإنَّ المرضى بذلك يَستسلمونَ للمرض. ويَعتقدُ بيتر أنَّ عددًا من الخلايا السَّرطانيَّةِ الفرعيَّةِ المُستهدَفةِ لا تتأثَّرُ بمُعظمِ الأدويةِ المُضادَّةِ للسَّرطان والمُستَخدَمةِ حاليًّا؛ إذ تهتمُّ أبحاثُ بيتر وفريقُه بالبحثِ عن آلياتِ قتلٍ طبيعيَّةٍ.

ويعتقدُ بيتر أنَّ عِلاجَ السَّرطانِ قصيرُ المَدى؛ أي لبضعةِ أسابيعٍ، وقد يكونُ مُمكنًا عندما نتمكَّنُ من علاجِ مريضٍ بقتلِ خلاياهُ السَّرطانيَّة دونَ التَّسبُّبِ في إِحداثِ مشكلاتٍ عصبيَّة؛ وهي التي يُعاني منها مَرضى داءِ هنتنغتون؛ إذ تُعَدُّ هذه  أكبرُ عقبةٍ في البحث، فمفتاحُ قهرِ كُلِّ مرضٍ يعودُ إلى التَّحسيناتِ التي ترجِعُ في كثيرٍ من الأَحيانٍ إلى أساليبِ كَشفٍ أفضلٍ؛ وليس إلى أساليبِ علاجٍ أفضلٍ.

أخيرًا وكقولِ البروفيسور بيتر؛ فإنَّ علماءَ السَّرطانِ يحتاجونَ إلى الإنصاتِ إلى الطَّبيعةِ أكثر؛ إذ أحرزَ العلاجُ المناعيُّ نجاحًا مُتقدِّمًا؛ لأنَّه يهدفُ إلى تفعيلِ آليَّةٍ مُضادَّةٍ للسَّرطانِ، والتي طوَّرَها التَّطوُّرُ. ولكن -لسوءِ الحَظِّ- هُناكَ عددٌ قليلٌ من السَّرطاناتِ التي تَستجيبُ للعلاجِ المَناعيِّ، فضلًا عن استفادَةِ عددٍ قليلٍ من المرضى المُصابينَ بهذا النَّوعِ من السَّرطانات.

ويرتكزُ هذا البحثَ الذي أعدّهُ بيتر وفريقُه إلى مفاتيحِ القتلِ الطَّبيعيَّةِ الأصليَّةِ، وهو أمرٌ يبثُّ الأملَ في تأئيرِ هذه الأخيرة على الخلايا السَّرطانيَّةِ بالقضاءِ عليها. ولكنْ؛ هذا لا يمنعُ من أن تكونَ النَّتائجُ المُتوقَّعةُ من هذه الدِّراسةِ مُدمِّرةً

المصادر: 
هنا” target=”_blank” rel=”noopener noreferrer”>هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق