أجتماع

عندما تفسد القوة، لا توجد هناك طريقة للهروب من تأثيرها السام.

ترجمة: بان علي
مراجعة وتدقيق: نعمان البياتي
تصميم: احمد الوائلي

يلجأ المحافظون إلى النصوص القديمة عند وقوعهم في محنه، في الظروف الحالية، البعض منا، الذين يتبعون النصوص العبرية، يلجؤون إلى النبي أشعياء في أكثر مزاجاته قتامة، أو إلى أشد استنكارات النبي عاموس؛ ويلجأ المسيحيون الأتقياء، الذين يأسوا من المجتمع العفن إلى كتاب حكم القديس (بنديكتوس)، وقد يلتقط الكلاسيكيون أحد مجلدات الفيلسوف (سينيكا) ويتأسفون بحسرة عندما يـتأملون نهاية هذا الفيلسوف على يد تلميذه المجنون الإمبراطور نيرو، والذي على العكس من الرئيس دونالد ترامب، كان على الأقل يعزف على آلة موسيقية بجدارة؛ و يلجأ بعض المجانيين إلى فلسفة ميكافيلي؛ أما بالنسبة لأولئك الذين يخضعون لاختبار روحي حقيقي، فملجأهم هو للكاتب جون رونالد ريول تولكين، في ملحمته الحديثة، سيد الخواتم.
تم إثارة هذا الفكر من قبل مقال حديث للكاتب (روس داوثت)، أحد الكتاب المتواضعين الشجعان المتخفيين في مكان آمن في أعالي برج النيويورك تايمز، بعد أن نبذ هذا الكاتب بعض من هؤلاء المحافظين، لم يعد يتفق مع “المتحولين والمرتدين”، وإنما يحث قراءه بدلاً عن ذلك بالتحول إلى “المفكرين والكتاب الذين يقبلون ببساطة التحول الشعوبي، والذي هدفه هو تزويد المنطق والثقل المعرفي، من أجل تطهير الفكر (التوجه) الشعبوي من المتعصبين وحقنه بسياسة جيدة بدلاً عن ذلك”.
هذا الفكر هو نسخة أكثر قياساً لظاهرة أكبر: في السابق، جماعة “نيفر ترمبرز” (المعارضين لكل شيء يقوله أو يفعله ترامب) الذين يصفون أنفسهم بامتعاض بـ “أوكايشنال ترمبرز” (يتفقون معه أحياناً)، أو الذين يحاولون أن ينقوا أنفسهم من وصمة توقيع رسائل تقلل من شأن الرئيس ترامب، وذلك عن طريق مدح إنجازات الرئيس وحكمته الخام والمؤطرة بشكل فادح، وعن طريق استنكار أقواله لكن التصفيق لبعض أفعاله على الأقل؛ إنه الإغراء من أجل أن يُأقلم الشخص نفسه لطبيعة الوقت الراهن، كما لو كان سيقولها مكيافيلي، ومن أجل التحالف -بحذر لكن بالتأكيد- مع السطلة (القوة) والتخلي عن بعض المبادئ المتبناة سابقاً.
هنا يظهر لنا الكاتب تولكين؛ تحفته الفنية -المؤلفة من ست كتب في ثلاث مجلدات، و ليس الأفلام بحذوفاتها المؤسفة وصورها المصطنعة والمبالغ بها عن طريق الحاسوب- يعالج بها الكثير من المواضيع التي لها صلة بأعمارنا، وهذا هو الإغراء بعينه.
في بداية الكتاب الثاني، يجتمع الجن والبشر والأقزام في (ريفينديل)، موطن اللورد (إيلروند)؛ هناك حيث يتناقشون حول خاتم سيد الظلام، (ساورون)، والذي سقط بصدفة غريبة في حوزة الهوبيت (فرودو)، في نهاية مشاوراتهم، يسمعون خبراً من (كاندالف)، الساحر الذي صادق فرودو، والذي هرب من سجن (سارومان)، كبير السحرة.
علم سارومان أن الخاتم قد وقع في حوزة الهوبيت، وأراد من كاندالف أن يساعده في الحصول عليه، يقوم كاندالف بالإبلاغ عن نية سارومان ويذكر قوله كالتالي:
“هناك قوة جديدة تنهض، لن تفيدنا السياسات القديمة والحلفاء القدماء الذين ضدها، لم يعد هناك أمل في (ألفيس) أو (نومينور) الهالكة، إذن هناك خيار واحد أمامكم وأمامنا، يمكننا أن نشارك في تلك القوة، سيكون هذا حكيماً يا كاندالف، في تلك الحالة هناك أمل، النصر سيكون في المنال، وستكون هناك مكافأة ثرية لمن ساعد في ذلك، وكلما كبرت هذه القوة، كبر معها أصدقائها الحقيقيون والحكيمون، مثلي ومثلك، سيستطيعون بالصبر توجيه مساراتها والسيطرة عليها في النهاية، يمكننا أن نأخذ وقتنا، وأن نحتفظ بأفكارنا في قلوبنا، قد نقوم باستنكار الشرور، ولكن من أجل إثبات الغاية العظمى: المعرفة، والحكم، والنظام، كل الأشياء التي سعينا عبثاً لتحقيقها، والتي تمت إعاقتها بدلاً من مساعدتنا في تحقيقها من قبل أصدقائنا الضعفاء أو الخاملين، لا يجب أن يكون هناك، ولن يكون أي تغيير حقيقي في نيتنا، بل فقط في وسيلتنا”.
من هنا يمكنكم أن تفهموا، التحالف مع القوة الناشئة (ساورون يعيد المجد لمملكته الهالكة والجرداء، موردور) واستخدام الحكمة لاحتوائها وتوجيهها، أصدقائك القديمون حمقى وضعفاء، ساير ما هو حتمي، وسوف يكون بإمكانك تشكيل العالم الجديد، كن ضدها وسوف تفشل وتهلك ببساطة.
لا يسقط كاندالف في فخ سارومان، فهو يعلم أولاً أن يداً واحدةً فقط تستطيع أن تتحكم في الخاتم، ولكن الأهم هو يعلم -حين قدم له فرودو الخاتم- أن الإغراء لفعل الخير سوف يجعله يقوم بأفضل ما لديه، قد تبدأ القوة بداية جيدة لكن ستنتهي نهاية شريرة، لأن قوة الخاتم فاسدة؛ لاحقاً في الكتاب، ترفض الملكة الجنيّة (كالادريل) أيضاً عرض فرودو المستميت لتخليص نفسه من حملها لنفس السبب، لا يستطيع كلٌّ من كاندالف وكالادريل أن يكونا متأكدين من إن السبيل البديل -محاولة فرودو للتخلص من الخاتم عن طريق رميه في بركان- سوف تنجح، وفي حقيقة الأمر، كلاهما يعرفان أن المحاولات الكثيرة قد تفشل وستتبعها عواقب وخيمة، وهما أيضاً يعلمان أنه حتى لو نجحت هذه المجازفة، فهذا يعني دمار العالم الذي يعرفانه، ودمار ملجأهم الوحيد من العالم السفلي؛ كلاهما يقبلان كلا الاحتمالين.
في الجانب الآخر، ينتقل سارومان من سيء إلى أسوأ، فالطموح يقتله، وهو يرتكب جرائم وحشية، ويصبح شخصاً دنيئاً مجنوناً ولاجئاً عاجزاً يكرهه أتباعه، لقد خرب افتتانه الشديد بالقوة كائناً كان يوماً ما حكيماً ومحسناً.
إغراء المثقفين غالباً ما يكون على هذا النحو: الرغبة بالتأثير على الأقوياء لأنهم يفتقرون إلى المهارات، أو النسب أو الحظ لحكم أنفسهم؛ في الوقت الحالي، وبالرغم من كل التحقيقات والفضائح، والعثرات والانشقاقات، لا يزال ترامب والحزب السياسي، الذي استسلم لتعدياته وجبروته، يبدو كقوة على الأقل إذا كنت مفكراً محافظاً، وبعد بضعة أجيال من المثقفين المحافظين الذين يعتقدون أن مهمتهم هي تشكيل سياسة بدلاً من توضيح الحقيقة وتحديد النتائج المترتبة على القرارات أو الأعمال، سيبدو مستقبل الهروب الدائم من التأثير قاتماً بشكل غير مقبول.
المخاطر التي تواجه المفكرين المحافظين ليست بنفس الخطورة التي كانت تواجه سكان الأرض السفلى، لكن الفكرة الأساسية تستحق التأمل، فالبعض منهم يود أن يعود إلى إداناتهم لترامب، والعداوات التي يضخمها ويغذيها في نفس الوقت، وإلى التحيزات التي يمارسها وإلى الأعراف التي يدمرها باستمتاع؛ هم يفعلون ذلك ليس بسبب برهان عدم عدالة أحكامهم الأصلية ولكن -بعيداً عن ذلك- بسبب ضجرهم من المعارضة غير المنضبطة، هم يرغبون في تشكيل الأشياء أو على الأقل عقد شراكة مع أولئك الذين في الغرفة التي تعقد فيها الصفقات، ولكن كما لو كان كاندالف وكالادريل قد علموهم، أن قمة الحكمة هو الخوف من دوافعهم نحو القوة أو السلطة، وأن يحاربوا القتال في العالم المظلم حتى لو بدا أن تكون نتيجته الفشل، وأيضاً فوق ذلك كله، أن يختاروا أن يحافظوا على أفضل ما فيهم.
المصدر: هنا

التدوينة عندما تفسد القوة، لا توجد هناك طريقة للهروب من تأثيرها السام. ظهرت أولاً على Iraqi Translation Project.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق