الصحة والطب

فتوى لقاح الحصبة في إندونيسيا تسبب عودة تفشي المرض!


في شهر آب (أغسطس) الماضي 2018؛ أصدرت الهيئة الإسلامية العليا في إندونيسيا قرارًا غير لازمًا بحظرِ لقاح الحصبة والحصبة الألمانية بسبب احتواءِ هذا اللقاح على مشتقّات الخنزير، وقد تبِعَ هذه الفتوى الصادرة عن مجلس العلماء الإندونيسيّ (Indonisian Ulama Council) نسبةٌ كبيرةٌ من الناس في هذا البلد الفقير والمكتظّ بالسكان؛ ممَّا أدّى إلى تفشي الحصبة بسرعةٍ وفي عدة أماكن من البلاد. وقد جاءت هذه الجائحاتُ للأسف بعد جهودٍ جمّةٍ من قِبَل الحكومة الإندونيسية ومنظمّة الصحة العالمية التي نجحت في إيصال اللقاح إلى الغالبية العظمى من أطفال إندونيسيا. وإلى الآن؛ وعلى الرغم من أنَّ بعضَ المقاطعات في البلاد لم تتأثر وبقيت متابعةً في برنامجها التلقيحي؛ لكنّ معدّل التلقيح في مقاطعاتٍ أخرى انخفضَ إلى حد متدنٍّ جدًّا لا يتعدّى الـ 7% فقط. وإلى حينِ إيجادِ ” اللقاح البديل الحلال”؛ على حد وصفِ مجلس العلماء؛ يستمرُّ غيابُ أي بديلٍ وتبقى العديد من مناطق إندونيسيا التي اختارت أن تتبعَ الفتوى عُرضةً لتفشّي العدوى تفشيًّا أكبرَ؛ ممَّا يعرّض الصحة العامة وجيلَ الأطفال في البلادِ لمخاطرَ صحية مميتة.

ما الحصبة؟
الحصبةُ هي مرضٌ فيروسيٌّ خطيرٌ ومُعدٍ بشدّة، وينتج عن الإصابة بفيروس الحصبة المنتمي إلى عائلة الـparamyxovirus، وقد طوِّرَ أوّل لقاحٍ ضدّ هذا المرض عام 1963. ولكن قبل تطوير هذا اللقاح؛ تسبّبَ مرض الحصبة بعدة جائحات كبيرة في أنحاء العالم، إذ كان يحصد أرواح قرابةِ الـ 2.6 مليون مريض تقريبًا في كلّ سنة حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية. وينتقل فيروس الحصبة عادةً بالتماس المباشر مع الأشخاص المصابين وعن طريق الهواء برذاذِ عطاسِ المرضى أو سعالهم، ويصيب فيروس الحصبة الجهازَ التنفسي في بداية العدوى ثم ينتشر إلى بقية أنحاء الجسم؛ لينتهي بالوفاة. ويمكنكم قراءة مزيدٍ من المعلومات عن الحصبة من.. هنا

ونتيجةً للجهود العلمية المُنجَزة في تطوير لقاح آمن ورخيص نسبيًّا، ثمّ لحملات التلقيح الواسعة التي جعلت اللقاح في متناول عدد كبير من الأطفال؛ نجحَ اللقاح بتخفيض عدد الوفيات في أنحاء العالم تخفيضًا كبيرًا. فمثلًا؛ شهدت الأعوام بين 2000 إلى 2016 انخفاضًا في عدد وفيات الحصبة وصلَ إلى 84% نتيجة انتشار اللقاح على نطاقٍ واسعٍ منقذًا بذلك قرابةَ 20.4 مليون شخص، ممّا جعله من أفضل المنتجات الطبية المتداوَلة في مجال الصحة العامة. وفي سياقٍ مماثل؛ تشير الإحصائيات إلى أنّ 85% من الأطفال في العالم قد حصلوا على جرعةٍ واحدة على الأقلّ من لقاح الحصبة في غضون العام الأول من حياتهم في عام 2016، ومع ذلك؛ فقد شهد عام 2016 أكثر من 89 ألف حالة وفاة بسبب الحصبة، وكانت معظم هذه الوفيات بين الأطفال الأقلّ من عمر الـ 5 سنوات.

وفي الوقت الحاضر؛ لا يُعطى لقاح الحصبة على شكلِ لقاحٍ مُفرد، وإنّما ضمن لقاح مشترك ضد الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، ويُعرَف هذا اللقاح باسمِ اللقاح الثلاثي أو بالـ MMR اختصارًا لـ Measles, Mumps, Rubella وهي أسماء الأمراضِ باللغة الانكليزية. ويحتوي هذا اللقاح على نسخٍ مُضعَّفةٍ من الفيروسات المسببة لهذه الأمراض التي تحفّزُ الجهاز المناعي على تشكيل أجسام ضدية (أضداد) Antibodies ضد هذه الفيروسات دون القدرة على إحداث المرض. وعندما يتعرّض الجسم للفيروس مرة أخرى في حياته فإنّ ذاكرة الجهاز المناعي تتعرّفُ على الفيروس وتنتج أضدادًا مُوجّهةً ضدّه في زمنٍ سريع، ممّا يؤدي في النهاية إلى التخلص منه. ويمكنكم القراءة أكثر عن الموضوع من.. هنا

اللقاحات عمومًا:
إن المكوَّنَ الفعّالَ في معظم اللقاحات هو الجرثوم أو الفيروس أو الذيفان المُسبّب للمرض بشكله المُضعّف أو المقتول، أو قد يكونُ لقاحًا مأشوبًا حاويًا على أجزاء من الجرثوم أو الفيروس. ولكن؛ لا يمكن إنتاج اللقاح من هذا المكون وحيدًا، بل تحتاج صياغة شكل اللقاح الصيدلاني النهائي والقابل للاستعمال البشري بعضَ المواد الإضافية لجعلهِ آمنًا وفعّالًا وقابلًا للتخزين والنقلِ قدر الإمكان. ومن أهم هذه المواد:

الجيلاتين المشتقّ من الخنزير:
يستعمل الجيلاتين المشتق من الخنزير في بعض اللقاحات بصفتهِ مادّةً مثبّتة، وتفيد إضافته إلى اللقاح للمساعدة على حمايته من تأثيرات الحرارة العالية أو التجفيد (التجفيف بالتجميد)، فضلًا عن أنّ الجيلاتين يفيدُ في إطالة مدة صلاحية اللقاح. ويعدُّ لقاح الـ MMR من ضمن اللقاحات الحاوية على جيلاتين من منشأٍ خنزيري. وهذا المكوّن هو ما أثار حفيظة الهيئات الإسلامية في إندونيسيا فأصدرتِ الفتوى لمنع تعاطي اللقاح. وإنّه لَمن الصعب جدًّا تغيير صياغة اللقاحات التي أُقرَّتِ الموافقة عليها من قبل الهيئات الصحية واستبدال منشأٍ آخر بالجيلاتين ذي المنشأ الخنزيري، لأنَّ أيّ تعديل مهما كان طفيفًا على صيغة اللقاح قد يؤثّر عكسًا في أمانه ويستلزم إعادةَ اختبارات الأمان السريرية التي تستغرق سنواتٍ عديدة لإتمامها. وقد مُنِع استخدامُ الجيلاتين البقري في المستحضرات الصيدلانية نتيجةً لِما تسبَّبَ به سابقًا في إحداث عداوى بمرضٍ بقريّ المنشأ يُعرَف باسم اعتلال الدماغ الإسفنجي Bovine spongiform encephalopathy.

الزئبق:
تحوي بعضُ اللقاحات على كميات قليلة من الزئبق مُتضمَّنةً في مادة تُدعى الثيوميرسال Thiomersal. وتستخدَم هذه المادة بصفتها مادةً حافظة في اللقاحات لتمنعَ أيَّ نموٍّ جرثومي أو فطري محتمَل فتحافظَ على عقامة اللقاح. ومع أنَّ الزئبق يعدُّ من المواد السامة لجسم الإنسان بكميات عالية؛ لكنَّ الكمية الضئيلة الموجودة في اللقاحات لا تُحدِث أيَّ تأثيرات ضارة؛ كما أكّدت منظمة الصحة العالمية.

الألبومين البشري:
الألبومين هو بروتين موجودٌ في دم الإنسان، ويُستعمَل في بعض اللقاحات ألبومينٌ مُستخرَجٌ من دم بشري بوصفه مادةً مثبتة للحفاظ على ثباتية اللقاح. ولكن قبل استخراج الألبومين من دم المتبرعين واستخدامه في تحضير اللقاحات؛ يُفحَصُ الدم للتأكد من عدم وجود أيّ عاملٍ مُمرِض.

ومن ضمن اللقاحات الحاوية على ألبومين بشري لقاحُ جدريّ الماء (الحُماق) Chickenpox.

البيض في اللقاحات:
تحتوي بعض اللقاحات على كمياتٍ ضئيلة من بروتينات بيض الدجاج مثل لقاح الإنفلونزا والـMMR، إذ يُنبَتُ فيروس الإنفلونزا في بيضِ الدجاج ويمكنُ أن يسبّبَ تفاعلاتٍ تحسُّسيةً عند الأشخاص الذين يتحسسون من منتجات الدجاج.

بينما يُنبَتُ لقاحُ الـ MMR على خلايا مشتقة من جنين الدجاج، لذلك فهو لا يسبّبُ أيّةَ رداتِ فعل تحسسية

الفورم ألدهيد في اللقاحات:
يُستعمَلُ الفورم ألدهيد مادةً في إنتاجِ اللقاحات المقتولة، وهو يُدخَلُ في مرحلةٍ مبكرة جدًّا من التصنيع لقتل الجرثوم أو الفيروس أو الذيفان أو تعطيلها، وبعدَ نهايةِ هذه المرحلة؛ يُزالُ من اللقاح مع احتمال بقاءِ آثار ضئيلة لا تُعدُّ مؤذيةً للإنسان.

وعلى الرَّغم من تدخّل وزارة الصحة الإندونيسية من أجل إنقاذِ حملة اللقاح بالتباحثِ مع مجلس علماء الدين الإسلامي الإندونيسي (MUI) لإطلاق فتوى يُسمَحُ بموجبها بأخذِ اللقاح على أنَّه “حلال”؛ لكنَّ الرياح لم تجرِ كما تشتهي سفن الوزارة، إذ أعلنَ المجلس أنَّ هذا اللقاح “حرام”، وذلك اعتمادًا على مكوّناته وطريقة تصنيعه، ولكنَّ تقديمَه مسموحٌ به للأطفال طالما أنّه يُسهِمُ في الحفاظ على الصحة العامة. ومع ذلك؛ انخفضت معدلات تغطيةِ الأطفال باللقاح في أرجاء أندونيسيا إلى قرابةِ 64% من الحالاتِ وسطيًّا، في حين أنّها بلغت 8% فقط في مقاطعة آتشيه الإندونيسية؛ وذلك لما يؤدّيه بعضُ رجالِ الدين المحلّيين والآباء المتردّدين وربّما بعضُ الساسة المحليين من دورٍ كبيرٍ في هذا الفشل.

المصادر:
1- هنا
2- هنا
3- هنا
4- هنا
5- هنا
6- هنا
7- هنا
8- هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق