البيولوجي المتطورةالصحة والطب

كريسبر كاس.. الساحر الفاتن على مسرح العلاج الجيني

نقدُّم لكم في هذا المقال أروع أداة للتعديل الجيني في وقتنا الحالي، فما كريسبر كاس؟ وكيف اكتُشف؟ وكيف نستفيد منه؟ وأسئلة أكثر سنزيل الغموض عنها.

تخيلوا معنا الكارثةَ الآتية: بكتريا بريئة تعيش بسعادة، وعلى غفلة؛ تتعرض لهجوم فيروسي عنيف، وتأخذ المادةُ الجينية الفيروسية بكل جرأة تسبح في سيتزول البكتريا! فكيف تحمي نفسها؟

لم تستسلم البكتريا؛ بل قررت وضع حدٍّ لهذا الهجوم؛ فطوَّرت نظامًا مناعيًّا ذكيًّا يكشف تسلسلات النيكليوتيد الغريبة ويقطعها لتسلسلات أصغر مكونة من 20 نيكليوتيدًا، ثم يدمجها مع جينوم البكتريا المضيفة في مواقع الكريسبر، وتتعرف الرنا لاحقًا عند انتساخ هذه التسلسلات لجزيئات رنا كريسبرية CRISPR RNA إلى المادة الجينية الغازية؛ فهي مُتمِّمة لها بالتسلسل وتُحرِّض نيوكليازًا داخليًّا ليصد التسلسلات الغازية ويتخلص منها.

في نهايات الـ 1980؛ اكتشف العلماء -بمصادفة محضة- تسلسلات الكريسبر في جينوم الإشريكية القولونية، ووجدوا بعد عقد من الأبحاث أنَّ الكاس CAS_CRISPR-Associated Systems منتشرةٌ لدى 45% من البكتريا و84% من العتيقة.

وهكذا يمكننا أن نُبسِّط عمل نظام كريسبر كاس 9 في بدائيات النوى؛ ويقتصر هذا الشرح على النوع الثاني من آليات الكريسبر فقط! فماذا عن الأنواع الأخرى من أنظمة الكريسبر؟ ولربما تسألون: لم يحتفل العلماء بنظام الكريسبر ما دام أنه فعال في بدائيات النوى؟ وبمَ يُفيدنا نحن البشر هذا الكريسبر؟

ابقوا معنا ولنتعلم أكثر!

علينا التفريق بين الكريسبر ونظام تعديل الجينوم المكوّن من كريسبر كاس؛ يُعرَّف الكريسبر CRISPR_Clustered Repeated Interspersed Short Palindromic Repeats بحسب قاموس أوكسفورد بأنها قسمٌ من الدنا يتضمن تكرارات قصيرة من تسلسلات الأسس، ترمز هذه التسلسلات جزيئات رنا الكريسبرية.

أما عندما يستخدم بروتين جزيئات رنا الكريسبرية هذه كدليل ليتعرف التسلسلَ الهدفَ؛ فهذا ما يُعرف بنظام الكريسبر كاس، وغالبًا ما يمتلك البروتين فعاليةَ نيوكلياز يستهدف الدنا والرنا الغازي في البكتريا والعتيقة كطريقة دفاعية ضدَّ الفيروسات وغيرها من العناصر الجينية المتنقلة. أما في ميدان البحث العلمي؛ فيتربع نظام الكريسبر كاس متباهيًا على عرش أنظمة التعديل الجيني؛ إذ يجوب العلماء الخيال بفضله ويضيفون بروتينات بفعاليات إنزيمية متعددة ومميزة بما يتناسب مع أهدافهم البحثية.

تتمتع أنظمة الكريسبر كاس بتنوع مذهل على مستوى التركيب البروتيني والمواقع الجينية وآليات التفعيل والتنفيذ ومعالجة جزيئات الرنا. وتُصنَّف الأنظمة ضمن صفين رئيسَين. وهنا ننبه إلى الاختلاف الأهم بين الصفين؛ إذ يستخدم الصف الأول CRISPR CAS I معقداتٍ منفعلةً متعددةَ الوحدات، في حين يقتصر الصف الثاني CRISPR CAS II على بروتين وحيد كبير نسبيًّا وهو (كاس 9) الذي يمتلك عدة فعاليات لمعالجة جزيئات رنا الكريسبرية وقطع تسلسل الدنا الهدف.

سنركز في هذا المقال على نظام الكريسبر كاس 9 المستخدم في ميدان العلاج الجيني حديثًا، كيف سخره العلماء لصالحنا؟ لقد صمموه بحيث يتكون من الرنا الدليل Guide RNA تبحث عن تسلسل دنا الهدف في جينوم الخلية المتلقية، وتتعرفه بدقة عالية موجِّهة بروتين النيوكلياز المقترن بها ليقطع تسلسل دنا الهدف في موقع محدد، ويكون هذا القطع إما ثنائي الطاق وإما أحادي الطاق بحسب النيوكلياز المستخدم، ويمتلك كاس 9 موقعَين نيوكلياز فعالَين على الأقل، ويُسبِّب كسرًا مزدوجًا لجزيئة الدنا؛ أي إنَّ فعالية النيوكلياز تشمل طاقي الدنا.

في المراحل الأولى التي تلت دخول نظام الكريسبر كاس 9 إلى مراكز البحث العلمي؛ استخدمه العلماء من أجل الإسكات الجيني knock-out gene، فكيف تمكنوا من ذلك؟ وكيف يمكن لمعقد من بروتين وتسلسلات رنا أن تتدخل في جينوم خلية حية لتسكت جينًا مُستهدَفًا بدقة؟

برمج العلماء تسلسلَ رنا الدليل في نظام الكريسبر كاس ليستهدف موقعًا حساسًا في الجين، وبعد التعرف إلى الموقع يكسر النيوكلياز في كاس 9 كسرًا مزدوجًا، ويُحرِّض هذا الكسر آليات إصلاح الدنا في الخلية، ولكن هذه العملية معرضة للأخطاء؛ ما يُسبِّب طفرات معطلة الجين في أغلب الحالات.

لم يكتفِ العلماء بما قدمه لهم نظام كريسبر كاس من إمكانية إدراج طفرات عشوائية في موقع شطر الدنا بآلية انضمام النهايات غير المتماثل Non-homologous End Joining؛ بل صمَّموه ليحذف أو حتى يُدرِج أسسًا مرغوبةً في مواقع محددة، ويحدث ذلك بتقديم قالبِ دنا جاهز مُرفَق بنظام الكريسبر كاس، بحيث تعتمده آليات الإصلاح الجيني لترمِّم الكسر الموجود وتُعيد بناء جزيء الدنا لدى المضيف بما يتناسب مع القالب المُرفَق.

وحديثًا؛ بات نظام الكريسبر كاس ساحرًا فاتنًا على مسرح البحث العلمي حيث تسارع العلماء إلى تطبيق أغرب الفانتازيات العلمية على مستوى جزيئي دقيق.

لقد أثبت هذا الساحر براعته وخفَّته في التلاعب بالجينات؛ مُقدِّمًا عروضًا مُغرية من حيث التكلفة المنخفضة والفعالية العالية، نذكر لكم أبرز الأبحاث:

التوسُّع في دراسة وظائف الجينات عن طريق تحريض إسكات الجين أو تطفيره ومراقبة التغيرات الناتجة في الخلية، وتحديد الجينات المتورطة في مقاومة الدواء والسموم والجينات المنفعلة في الأمراض الخمجية.

تصحيح طفرات الدنا المُسبِّبة للأمراض سواء أكانت حذوفات كبيرة أم على مستوى أساس واحد فقط.

معالجة الملاريا؛ فقد استُخدِم كريسبر كاس لتخليق خطٍّ من البعوض مقاومٍ تمامًا لطفيلي الملاريا.

دراسة العديد من الأمراض ومعالجتها كالحثل العضلي لدوشين والهيموفيليا والثلاسيميا بيتا والتليف الكيسي وغيرها من اضطرابات الدم والأمراض القلبية.

فإنَّ استخدام نظام كريسبر كاس لإزالة جينوم فيروس العوز المناعي المكتسب من الخلايا المخموجة لدى المريض؛ يُعدُّ خطوة واعدة ومُنتظرَة.

وبالمشاركة مع الخلايا الجذعية المتعددة القدرات؛ يمكن إنجاز مَهام تصميم الأنسجة، متضمنة تخليق نماذج مرضية أو تحضير أنسجة متلائمة للزرع.

إلى أين ستأخذنا أيها الكريسبر كاس؟ أنا شخصيًّا أضع كامل ثقتي في خدع هذا الساحر! فماذا عنكم؟

المصادر:
1- هنا
2- هنا
3- هنا
4- هنا
5- هنا
مقال متخصص يشرح الاستخدامات المتعددة اعتمادًا على كريسبر كاس:
1- هنا
2- هنا
التنوع والتصنيف والتطور في أنظمة كريسبر كاس:
1- هنا
2- هنا
3- هنا
4- هنا
5- هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق