فهرس إكس

كيفَ غيَّر العراقيُّ "فاروق القاسم" اقتصادَ النرويج البترولي؟

تمتلكُ النرويج -كما الولاياتُ المتَّحدة الأمريكيَّة، وكندا- قطاعًا نفطيًّا مربحًا جدًا، ولم يصبح هذا القطاع كذلك إلَّا في العقودِ الأربعةِ الأخيرة وكانَ هذا التحوُّلُ بفضلِ مهندسٍ عراقيٍّ موهوب يُدعى “فاروق القاسم”. لنرجع بالزمنِ قليلًا ولنتعرَّف على قصة هذا التحوُّل.

بدأت القصَّة عامَ 1968 عندما قرَّر المهندسُ والجيولوجيُ “فاروق القاسم” تركَ بلاده العراق، ومهنته في شركةِ نفطِ العراق، والسفر إلى النرويج لعلاجِ ابنه المصاب بالشَّللِ الدماغي. لم يكن ذلك قرارًا سهلًا له؛ إذ كانَ المديرَ التنفيذي الناجح، ومن المهندسين العراقيين القلائل في الشركة التي يقودها خبراءُ بريطانيون، وفي الوقت نفسه لم يكن متفائلًا من مستقبله المهنيّ في الموطن الجديد.

لم يدُمْ عدَمُ التفائلِ هذا كثيرًا؛ إذ تغيَّر وضعه حالَ وصولهِ إلى العاصمة أوسلو، وذهابه إلى وزارة الصناعة سائلًا عن المهن التي يستطيعُ العملَ بها، وما إن ظهرَ هناك حتّى بدأت مسيرتُه المهنيَّة؛ إذ طُلب منه تحليلُ بياناتِ التنقيبِ عن النفط في مواقعَ متفرقةٍ من البلاد. وبالفعل وضعَ هذا المهندسُ كلَّ خبرته في إجراءِ التحاليل المطلوبة؛ إذ كانَ متفائلاً بالعثورِ على النفط في النرويج على عكس الكثيرين الذين لم يشاركوه الرأي نظرًا للتجاربِ التنقيبيَّةِ السابقةِ الفاشلة. في عام 1971 ثبتت صحَّةُ توقعاتِ المهندس عندما اكتشفت شركةُ “فيليبس” البتروليَّة الأمريكيّة Phillips Petroleum أحدَ أكبرِ حقولِ النفط البحريَّةِ في العالم؛ حقلُ “أيكو فيسك” Ekofisk؛ والذي يُتَوقَّعُ لهُ أن يستمرَّ بإنتاج النفط حتى عام 2050.

على الرَّغمِ من تفاؤُلِ “القاسم” بهذا الاكتشاف؛ لكنَّهُ دعا إلى إنشاء إدارةٍ عظمى قادرةٍ على توجيهِ هذه الثروة واستثمارها بأفضلِ الطُرقِ الممكنة آخذًا بعينِ النظرِ حالةَ “المرض الهولندي” Dutch Disease؛ الذي ظهرَ للمرَّةِ الأولى في ستينيات القرنِ الماضي بعد اكتشاف هولندا حقلًا نفطيًا هائلًا في قسمها من بحر الشمال، وكانت الطريقةُ المثلى لاستثمارِ الحقلِ النرويجي الجديد تتطلَّبُ الكثيرَ من التخطيط.

لتجنُّبِ فشلِ استثمارِ هذا الحقل؛ شرَّعَ البرلمانُ النرويجيُّ في عام 1971 قانونًا عُرفَ باسم “الوصايا النفطيّة العشر” بعد اكتشاف الحقل، ووافق عليه جميعُ السياسيين، بلْ دَعَوا إلى تحييدِ هذا القانون عن جلساتِ التصويت. كانَ “فاروق القاسم” المحرِّكَ الرئيسيَّ في تشريعِ هذا القانون؛ فدعا أيضاً لإنشاءِ شركةِ نفطٍ وطنيَّةٍ وهي شركةُ “ستات أويل” StatOil ومقرها مدينة “ستافانغر”، فضلاَ عن دعوته لإنشاءِ رقابةٍ صناعيّةٍ مستقلة، ثم أعلنت الحكومةُ أنَّ النرويج ستشاركُ في جميع التنقيبات النفطية العالمية عبر “ستات أويل” بنسبةِ تنفيذٍ لا تقلُّ عن خمسينَ بالمئة؛ إذ لقيَ هذا الإعلان ترحيبًا وموافقةً من شركات النفط العالميّة.

الاستثمارُ الناجح:

استُخدِمت عائداتُ الحقلِ في العقدين الأوَّلين في تطويرِ البنى التحتيّة في الداخل، واستمرَّ ذلك حتى عامِ 1990 عندما بدأ هذا الاستثمار بإدرارِ المزيدِ من الأرباح، فحانَ الوقت لإنشاء صندوقِ تمويلٍ سياديّ. وبالفعل أُنشِأَ الصندوقُ السياديُ النرويجي، وبحلول عامِ 1996 بدأت جميعَ الأرباح الناجمةِ عن النفط بالتحوُّلِ إلى ذلك الصندوق. أقرَّت الحكومةُ لاحقًا قرارًا ينصُّ على عدمِ عدِّ أموالِ هذا الصندوقِ عوائدَ حكوميةً عامة، لكنها لاحقًا سمحت باستثمارِ أربعةٍ بالمئة من أموالِ الصندوق لتمويل نفقات الحكومة العامة، وهذا ما سيضمنُ استمرارَ نموِّ الصندوق وتحقيق استثماراتٍ جديدةٍ مع اقتراب النهايةِ المتوقَّعةِ لإنتاج الحقل للنفط والغاز.

توزّعت استثماراتُ تلكَ النسبةِ على القطاعات الأساسيّة كالبُنى التحتيَّةِ، والتعليمِ، والبحث العلميِّ، والقطاعاتِ التي ستنعكس إيجابًا على رفاهية المواطن النرويجي.

يحوي ذلك الصندوقُ المالي الوطني حالياً قرابة ثمانمئةٍ وخمسينَ مليار دولار، ومنَ المتوقَّعِ أن تستخدم النرويج قسماً منها كأموال تقاعدٍ لمواطنيها، ومنِ المهمِّ أن يعدَّ المواطنون هذه الأموالَ تأمينًا لحياتهم بعد التقاعد.

 

يدعو “فاروق القاسم” جميعَ الدول المُنتِجة للنفط إلى العمل على قوانينَ ترشِّد الاستثماراتِ النفطيَّةِ بدلًا من البحثِ عن طرقٍ للاستثمار، ومُنِح “القاسم” في عام 2012 وسامَ القديس أولاف الملكيِّ النرويجيِّ للتميُّز.

المصادر:
هنا
هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق