الصحة والطب

لغز المومياء M1

قبلَ عشرةِ أعوامٍ مِنَ الآنَ كانَ الباحِثونَ والعلماء يظنونَ أنَّ مرضَ السرطان وليدُ العصرِ ومُترافقٌ مَع الثَّورةِ الصناعيةِ وما أطلَقَتهُ منْ تَلوثٍ بيئِّي مَهول لا يمكنُ للدورةِ البيئيةِ الطبيعيةِ أنْ تعالِجَهُ، ممَّا أدَّى إلى تراكمِ غازاتٍ ضارةٍ في الجو، ومن ثَمَّ ظهورِ أمراضٍ جديدةٍ وغيرِ مُسجَّلةٍ في التاريخِ سابقاً !!

ولقدْ كافحَ الباحثونَ منذُ فترةٍ طويلةٍ للكشفِ عن أدلةٍ للسرطان في الهياكلِ العظميةِ واللَّحمِ المُحنَّطِ للموتى القدامى، ولكِنَّ حالاتِ السرطان المُسجَّلة بينَ البَشرِ القدامى نادرة، ففي الواقع؛ دراسةٌ واحدةٌ نُشِرَت في عام 1998م في مجلة باليوباثولوجي journal of  Paleopathology  – وهي مجلةٌ تَهتَمُ بدراسةِ أمراض ِ المومياء- وجدَت أن 176 حالةٍ فقط مِنَ الأورامِ الخبيثةِ في الهَّياكلِ العظميةِ قد كُشِفَ عنها من بينِ بقايا جُثَثِ عشرات الآلاف من البشر في العصر القديم التي خضعَتْ للفحص، وقَد دفعَ اكتشافُ ذلكَ العددِ القليلِ من الحالات إلى النظريةِ القائلةِ بأنَّ السرطانَ بدأ يزدهرُ في العصرِ الصِنَّاعي الحديث فقط؛ أي عندما أصبحتِ الموادُّ المُسبِّبة للسرطان أكثرَ انتشاراً في الغذاءِ والبيئة.

ولقدْ أدَّى تقدُّمُ التكنولوجيا دَوراً رئيساً في تغييرِ تِلك النَتائجِ، ففي الوقتِ الحَاضرِ يُمكنُ للعلماء فحصُ المُومياءِ بطريقةٍ مُختلفةٍ عمَّا كانوا يَفحَصُونَها بهِ قَبل عقدٍ مِنَ الزَّمن، وذلِكَ بسببِ الماسحاتِ الضوئيَّةِ المقطعيةِ العاليةِ الدِّقة التي أصبحتْ مُتاحَة في عام 2005م، والتي لمْ تكُنْ تستطيعُ قياسَ الأورام التي هي أقلْ من 2 مل، وقد تقدَّمَ اختبارُ الحمضِ النَّووي تقدُّماً ملحوظاً، وتَلاشَتْ أوقاتُ فتحِ المومياء جسدياً، فاليومَ يُنجَزُ كثيرٌ مِنَ العمل بِفَضلِ التقَدُّمِ التكنولوجي.

Image: http://www.ancient-origins.net
الشكل (1): صورة تُظهِرُ فحص المومياء بالماسحات الضوئية المقطعية العالية الدقة.

لغز المومياء M1 :

قبلَ حَوالي 2250 سنة في مِصر، عاشَ رَجلٌ يُعرفُ اليَوم باسم M1 فقط؛ وقد كافحَ مع مرض ٍ عُضالٍ مؤلم وتقدُّميٍّ؛ بدأ مَع ألمٍ خفيفٍ في أسفلِ ظهرهِ، ثُمَّ انتشرَ إلى أجزاءٍ أُخرى مِن جَسدهِ، ممَّا جعلَ مُعظم الحركاتِ تُسبِبُ له البؤسَ والشَقاء، وعندما استسلم M1 أخيراً إلى المرضِ الغامضِ حَنَّطَت عائِلتُه جُثتَه، وبَقيت مدفونة معَ سِرِّها الذي اكتُشفَ لاحقاً.

قامَ فريقُ بحثٍ دَولي الآنْ بتشخيصِ مرضِ M1 على أنَّهُ أقدمُ حالةٍ معروفةٍ لسرطانِ البروستات في مِصرَ القديمةِ، وثاني أَقدم حالةٍ في العالم. (أقربُ تشخيصٍ لسرطانِ البروستات جاءَ من الهيكل العظمي البالغ من العمر 2700 سنةٍ لملكٍ من شعب سيثيان في ​​روسيا). ممَّا يطرحُ تساؤلاً: كيفَ أُصيبَ M1 بالسرطان وهو لم يُعايشِ التلوُّثَ البيئيَّ الناتجَ عن الثورةِ الصناعيةِ؟


Image: http://www.sciencemag.org/
الشكل (2): صورة تُظهِرُ مسحاً لمنطقةِ العمود الفقري القطني لمومياء مصرية واكتشافِ آفات صغيرة مستديرة فيه.

يُجيب ألبرت زينك عالم الأنثروبولوجيا البيولوجية في معهدِ المومياء ورَجلِ الجليد في بولزانو في إيطاليا: “لم يَكنْ ذلكَ العصرُ غريباً عنِ الموادِ المُسرطِنة، فهي موجودةٌ في مُخلَّفاتِ مداخنِ الحطبِ والمواقدِ، وكذلك فقد رُبِطَ القارُ – الذي كان يُسخَّنُ ويستخدمه بناةُ القواربِ القديمةِ لختمِ السُفن وجَعلها مضادةً للماءِ – بسرطانَ الرئة والأورامِ في الجهازِ التَنَفسي والجهازِ الهضمي أيضاً”. ويضيفُ زِينك: “أعتقدُ أنَّ السرطانَ كان سائداً جداً في الماضي، وأكثرَ انتشاراً ممَّا كنا قادرين على رؤيتهِ”.

وبقيتْ جثةُ M1 مجهولةَ التحديد منْ حيثُ الوظيفةِ الرسميةِ في جميعِ المصادرِ، لذلكَ لا يُمكِنُ الجزمُ بدقَّةِ كلامِ ألبرت زينك؛ لأنَّ فراعنةَ مِصر والأشخاصَ التابعينَ لطبقةِ النبلاء فحسبُ هُم منْ كانوا يُحنَّطونَ بعدَ الموتِ، ويُدفنون في مقابرَ خاصةٍ بهم، ولكنّ هذه الشعائرَ الجنائزيّة كانت تُقامُ في بعض الأحيان لعامةِ الشعب على الرغم من ارتفاعِ تكلفتِها وعدمِ قدرةِ الأغلبيةِ على تحمُّلها، ولربَّما دفعت عائلة M1 كثيراً من المالِ لتحنيطه ليستطيعَ أن يولَدَ من جديد ويستمتع بملذات الآخرة. وإذا افترضنا أنَّ M1 لم يكن من طبقة النبلاء، فعليهِ أن يكون عاملاً قريباً من مصادر التلوث حتى يصابَ بالسرطان، وعلى الأغلب سيكونُ سرطانَ الرئة كما ذكرنا آنِفاً، فمِن أينَ أتى مرضُ سرطان البروستات للجُثَّةِ المجهولة؟

في الحقيقةِ لم يَكُن M1 المُومياءَ الوَحيدةَ التي اكتُشِفت لديها إصابةٌ بالسرطان، فلقد كانَ هناك عَددٌ لا بأسَ بهِ من المومياءات؛ هِن وهَاتاسون واثنان آخران من طبقةِ الملوكِ أُجريت على جُثثهم بُحوثٌ أثبتت وجودَ أمراضٍ سرطانيةٍ مختلفةٍ كسرطانِ العظمِ والثدي، فكيفَ أُصيبَ كُل هؤلاءِ النبلاءِ والملوكِ بِتلك الأمراض؟! فحياتهم كانت مُرفَّهةً إذْ إنَّهم بقَوا بعيدَين عن الاحتكاك ِ بمصادرِ التلوث بحسبِ ما أشار ألبرت، وبحسبِ ما وصفَتِ الرسومُ والنقوشُ على الجداريَّات الأثرية عن الرفاهية في حياتهم!

إنَّ إجراءَ مثلِ هذهِ البحوثِ مفيدٌ جداً بالنسبة إلى العلماءِ الذينَ يدرسونَ أصولَ السرطانِ والتفاعلَ المُعقَّدَ بين البيئةِ والنظامِ الغذائي والجيناتِ في انتشار المرض، وإنَّ هذا الكشفَ المُحسَّنَ عن طريق الماسحات الضوئية المقطعية العاليةِ الدقة يُمكِن أن يلقي ضوءاً جديداً على مرضٍ أصابَ البشريَّةَ منذ آلاف السنين، ويقولُ زينك: “بالتَّأكيد هناك دائماً أملٌ في أن يساعدَ التوصلُ إلى فهمٍ أفضلَ لجذور السرطان في الإسهامِ بالعلاج بطريقةٍ ما”.

ويبقى لغز الجثة M1 قيدَ البحث لحلِّه، وربَّما سيخبرُنا ذلكَ الهارب عبرَ التاريخ – أو أحدُ أقرانِه – أسراراً أكثرَ قد تُفيدُ العلماءَ في تشخيص أسبابِ المرض ونسبِهِ على نحوٍ أدقَّ، ولعلَّ هذا يخلق أملاً جديداً في اكتشافِ علاجٍ للمرض.

المصادر
هنا

هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق