فهرس إكس

مراجعة رواية "الأصل" لدان براون .. مِن أينَ أتينَا؟ وإلى أينَ نحنُ ذاهبُون؟

“في تلك النُّقطة شعرَ لانغدون باهتزازٍ ضئيلٍ في الأرضِ تحتَ قدميه، كمَا لَو أنَّ العالَم بلغَ نقطةَ تحوُّلٍ .. كمَا لو أنَّ الفِكرَ الدِّينيَّ تجاوزَ للتوِّ أبعدَ مدى في مدارِه، وبَدأَ الآنَ يدورُ بشكلٍ عكسيٍّ، بعدَ أن تَعِبَ من رحلتِه الطَّويلة، وقرَّرَ أخيرًا العودةَ إلَى ديَارِهِ”.

هكذا اختَتَم “دان براون” روايتَهُ الرَّائِعة؛ والتي صدرَت النُّسخةُ المترجَمةُ منها إلى الّلغة العربيَّة – مُؤخَّرًا- عن الدَّارِ العربيَّةِ للعُلوم، إنّها روايَةُ “الأَصل”؛ الرِّوايَةُ السّابعة لـ “دان براون” خلالَ مسيرتِهِ الرِّوائيَّة؛ والتي بدَأَت بروايَة “الحصنِ الرَّقميَّ” عامَ 1998.

يسَتمِرُّ “روبرت لانغدون”؛ البروفيسورأستاذُ الرُّموزِ في جامعةِ هارفارد – بَطلُ “دان براون” الدَّائِم – بمغَامَراتِه المُثيرةِ والمشوِّقة، ولكنْ هذهِ المرَّة؛ ينتقلُ “دان براون” إلى مستوىً آخرَ مثيرٍ جدًا؛ معتمدًا على أكثر سؤالَين قد سُئِلا على مرِّ تاريخِ التَّطوُّرِ الحضاريِّ البشريِّ،  وكُتِبَ عنهُمَا ملايين ملايين الكَلمِات عبرَ التَّارِيخ.

– مِنْ أينَ أَتَينَا؟
– إِلَى أينَ نحنُ ذاهبُون؟

وقعت مَهمَّةُ الإِجابَة عن هذينِ السُّؤالَين على عاتِقِ العالِم الحاسوبِيِّ والمتنبِّئِ المستقبلِيّ “إدموند كيرش”؛ صديقِ “لانغدون” الحميم، والذي أعلنَ عن حفلٍ كبيرٍ في متحفِ “غوغنهايم” في مدينةِ بيلبَاو في إسبانيا، ودَعَا إليه مختلف الشَّخصيَّاتِ العلميَّة المشهورَة والشَّخصيَّاتِ العالميَّة النَّافِذة من أجل الاطّلاعِ علَى القصَّة الشائقة للتَّطوِّر البشريّ عبرَ التَّارِيخ؛ ابتداءً من النّقطَة التي انتقلَت فيهَا الحياة؛ والتي – كما يعلَم الوسط العلميّ – ما زالت سرَّا لم تُجمَع الأدلّة عن حقيقَتِهَا؛ ولذلكَ فكَّر في فرضيّاتٍ عديدةٍ لمْ تنلْ الرِّضَا العلميّ بسبب افتقارِها إلى العديدِ من مقوّمات المنهجِ العلميّ كي يحوّلها إلى حقيقة، وانتهاءً بمصيرِ النَّوعِ البشريّ في المستقبَل؛ فماهو مآلُنا؟ وماهي آمالُنا؟ وكيف سنستمرّ؟ وما الذي سيحدث؟

وإنّ السؤالَينِ الضَّخمَين عند “إدموند كيرش”  لمْ يكونَا مجرّدَ سؤالَين يريدُ الإجابَةَ عن كلٍّ منهما، بل أثناء البحث عن تلك الإجابات سيبحثُ أيضًا عن حقيقةِ السَّيطَرةِ الدِّينيَّة على البشريَّة في ظلّ هذا التقدُّم العلميّ المطَّرِد، وعن النَّتائجِ العقائديَّةِ التي ستترتَّبُ علَى هذينِ الاكتشَافين. وفي ظلِّ هذه الأفكارِ المتلاطمَة بقوَّةٍ يذهبُ “إدموند كيرش” إلَى منطقةِ “مونتسيرات” الجَبليَّة حيثُ يوجَدُ المعبدُ الشَّهيرُ هناك؛ والذي عُقِدَ فيهِ برلمانِ أديانِ العالمِ قبل أيام، وبعدَ انتهائه يطلبَ “إدموند كيرش” لقاءً مع ثلاثةِ قادةٍ دينييّن لأكثر الدّيانَاتِ الإِبراهيميَّةِ تأثيرًا.

وفي ذلكَ الإجتماعِ الذي تبدأُ به الرِّوايَةُ؛ يعرضُ العالِم “إدموند كيرش” على القادةِ الثَّلاثةِ اكتشافاتِه، مؤكِّدًا أنَّها نهايةُ السَّيطرَة الدّينيّة على العقولِ في العصرِ الحاليّ، ولم تكن ردَّةُ فعلِ القادِة الثّلاثة إلّا الهلعَ فعلًا مِن تلكَ الاكتشافات، لتمضِي الرِّوايَةُ بعد ذلك بدخولِ أحداثِ كلّ من “روبرت لانغدون” وقيمة متحفِ “غوغنهايم” و”أمبرا فيدال” الملكة المستقبلية لإسبانيا؛ والتي خطبها الأمير “جوليان” وليّ عهدِ ملكِ إسبانيا الحاليّ والذي ينازِعُ في لحظاتِه الأخيرَة، بالإضافَة إلى ظهورِ الأميرال السّابق المتقاعدِ من البحريّة “لويس أفيلا” في مسرحِ عرضِ الحفلِ الذي سيقيمه “إدموند كيرش” لإطلاقِ اكتشافه، ولكنْ ماذا سيحدُث؟ فهل سيسيرُ عرضُ الاكتشافاتِ من قِبل “أدموند كيرش” على ما يُرام؟

كعادة “دان براون” السّرديّة؛ تنطلقُ الحبكَة بعدّة قصصٍ منفصلةٍ، ولا تلبَثُ أن تلتقِي جميعُها في نقطةٍ واحدةٍ لتبدأَ سلسلةٌ من الفوضى المنظَّمة بسردِ الرّوايَة في ظلّ حبكةٍ واحدةٍ مُحكمَة، وتنتهي عادةً بطريقةٍ متشابِهة، فعلَى الرُّغم مِن معرفَةِ القارِئ المتابِع لـ “دان براون” بكيفيّة سردِه للحبكة، لكنّ القيمَة العظيمَة للأفكار التي طرحَها “براون” في هذِه الرِّوايَة سمَت بِها وجعلَتهَا أعظمَ إنتاجاتِه الرِّوائيَّة، وواحدةً من أهمّ الرّوايَات في القرنِ الحالي – في نظري-.

إذْ إنّ قصَّة أُصولِنَا ومستقبلِنَا قصّةٌ طَالمَا هيمَنَت علَى عقولِنا، وفِي ظلِّ التَّقدُّم العلميّ المطَّردِ فِي هذا المجَال والتَّنامِي الهائِل للتّكنولوجِيا؛ والتي مكَّنت مُعظَم البشريَّة مِن الوصُولِ إِلى مُعظم المَعلُوماتِ والاكتِشَافَاتِ وغيرِها كثيرٌ، لكنَّ قراءَتَنا لهذِه الرِّوايَة يمكن أن تُعطِينا رؤيةً واضحةً عمَّا قدْ يحدُث مستقبَلًا في المَجَالينِ العلميّ والتّكنولُوجِيّ؛ فَعَلى الرُّغمِ مِن وفرةِ الكُتُبِ العِلميَّة التَّنبُّئيّةِ، لكنّ توفُّرَ عملٍ أدبيٍّ يعتمدُ علَى الحقائِق العلميَّة فِي إِظهارِ ذلِك؛ يَجعَلُ مِن تِلكَ القصَّة العلميَّة قصةً مثيرةً جدًّا للعُقولِ البَشريَّة.

ولم يبقَ سوى أنْ نُشيرَ إلَى افتتاحيَّة “دان براون” لهذهِ الرِّوايَة؛ والتي جَاءَت كَمَا يأتي:
“جميعُ الأعمالِ الفنيَّة والمعماريَّة، والمواقِعِ، والحقائِقِ العلميَّةِ، والمنظّماتِ الدّينيَّةِ المذكورةِ في هذهِ الرِّوايةِ حقيقيَّة”.

ولذلك؛ نصيحتُنا لكَ عزيِزي القارِئ؛ كُنْ متَماسِكًا فِي مُتابَعَتِك، وليِّنًا فِي تقبُّلِكَ لِمَا ستقرَأُ مِن أفكَار؛ لأنَّها أفكارُ المستقبَلِ والعلمِ و قصَّة التطوُّرِ البشريّ الذي مكَّنكَ مِن قراءَة ذلِك العملِ الأدبيّ.

معلُومَاتُ الرِّوايَِة:
العُنوان: الأَصل.
المؤلِّف: دان براون.
ترجَمَةُ: زينَة إدرِيس.
طِبَاعَةُ: الدَّارِ العربيَّةِ للعُلوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق