البيولوجي المتطورة

مراجعة كتاب "النّساء"؛ سلوكيّاتُ الأنثى الجنسيّةُ في الضوء.

لماذا تمارسُ النساءُ الجنس؟

أليسَ عنوانًا كفيلًا بأن يجعلَ كلَّ رجلٍ وامرأةٍ يعودانِ خطوةً إلى الوراء عند مرورِهم من أمامِ متجر بيع الكتب؟!

نعم؛ إنَّه أحدُ أكثر العناوين إثارةً في جنسانيَّتنا، ويغدو هذا العنوان في ذاته وما يُدرَج تحتَه قمةَ جبلِ الجليد عندما ينحو مؤلِّفَا الكتابِ -(ديفيد باس) عالم النفس التطوري و(سيندي ميستون) أستاذة علم النفس السريري- إلى طرح أسئلة أكبر وأخطر وأعمق من غيرها كليًّا عن جنسانيَّة النساء.

لقد شكَّلت التصرفاتُ النسائيةُ غالبًا عبرَ تاريخ العلاقات بين الرجال والنساء نوعًا من الألغاز العصيَّة على الفهم واستطاعت قلَّةٌ قليلةٌ من الرّجال فقط أن تحلَّ تلك الألغاز، إلى أن جاءَ علمُ النَّفس التطوُّري، والذي يهتم بدراسة سلوكيَّات الإنسان بناءًا على التطوُّر وآليَّاته كالانتقاءِ الجنسي والانتقاءِ الطبيعي، فمثّلت دراسةُ الجنسانية -عند كلٍّ من النساء والرجال على حدٍّ سواء- إحدى أهمّ الظواهر التي يجب الوقوف عندها؛ نظرًا لأهمية العملية التكاثرية في دفع السلوكيات عند كلٍّ من الجنسَين إلى أنماط غيرِ مُحدَّدةِ المعالم، ولكن هل يمثّلُ التكاثرُ العمليةَ الوحيدة التي تنحَتُ تلك الأنماط وتوجِّهُها؟

هذا ما يقدّمه كتاب (النساء؛ الوقوف على الدوافع الجنسية) تقديمًا شبهَ تفصيليّ يتناول كلَّ أنواعِ العلاقاتِ بين الرجال والنساء، مستندًا إلى دراساتٍ وتحليلاتٍ وإحصائياتٍ علمية مخبرية، واستقصاءاتٍ لآلاف الآراءِ من كلا الجنسَين.

مثّلت دراسةُ دوافعِ ممارسةِ الجنس لدى النساء العاملَ الأهمّ الذي كوَّن مضامين هذا الكتاب؛ إذ نجدُ فيه الدوافع الآتية مُنتظمةً في ثنائياتٍ قد تكون متباينة أو متناقضة:

  • من الرغبةِ المُلِحَّةِ في استعادةِ ماءِ الوجه بعد التعرُّض للرفض؛ إلى الرغبةِ بإتمامِ علاقةِ حُبٍّ مُتأجِّجة.
  • ومن الدافِع الإيثاريِّ المُتمثِّلِ برفعِ ثقةِ الشَّريكِ بنفسِه؛ إلى الدافعِ الأنانيِّ المُطلَق إلى الثأر للنَّفس من إناثٍ أُخرَياتٍ في حقلِ المنافسة؛ أو الثأرِ من الشريكِ نفسِه على حدِّ سواء.
  • ومن روحِ المغامرة في دخولِ علاقاتٍ غير معروفةٍ وتبقى سريَّةً؛ نلمحُ تعريجًا نحو الولوجِ إلى أساليبِ الخداع وكلِّ ما تفعلُه المرأةُ في هذا الإطارِ الخطير على كلٍّ من الشريكَين. فخداعُ الرجل هو العاملُ الأوَّل الذي دفع المرأةَ إلى تطويرِ ألاعيبها ومحاولةِ كشفِ خُدَع الرَّجُل والردِّ عليها بسلوكيَّاتٍ نسائيةٍ مُخادِعة.
  • ومن الرغبةِ في التخلُّصِ من عواملَ مُزعِجةٍ أو بيولوجيَّةٍ كالصداع مثلًا؛ إلى التعلُّقِ الرُّوحيُّ المتمثِّلُ بالرغبةِ في الاقترابِ من الرب. 

وجميعُ هذه الدوافعِ الجنسية قد تتناقَضُ بعضُها مع بعضٍ أحيانًا من امرأةٍ إلى أخرى، وهي ليست تحليلًا كاملًا عن جنسانية المرأة، ولكنّه يبقى سلوكًا مُنعزِلًا عن السلوكيَّاتِ الأُخرى الّتي استطعنا تحليلَها وفهمها، فقد تكون المرأةُ راغبةً في الجنس من الموعدِ الأول لأنَّها تشتهي الأحاسيس التي يولِّدُها إفراز الأكسيتوسين، ولكنَّها ترغبُ بتأجيلِ ممارسة الجنس أيضًا كي لا تظهرَ امرأةً سهلةَ المنال. وفي المقابل؛ قد نجدُ الحالةَ ذاتها عندَ امرأةٍ أُخرى ستمارسُ الجنس من المرَّةِ الأولى لدوافعَ أُخرى مُختلِفة.

وقد فُصِّلَت هذه الدوافعُ -هي وغيرُها- بتحليلاتٍ علميَّةٍ رصينةٍ مُوثَّقةٍ بشهاداتٍ نسائيةٍ وإحصائياتٍ استُعينَ بها لدعمِ معلومات هذا الكتاب؛ الذي اعتمدَ مؤلِّفاه على عدَّةِ نظرياتٍ علميّة من بينها دراسةُ الدوافع من منظورٍ تطوُّري، إذ وضعا النظرية في إطار المشكلات التكيُّفيَّةِ المُتنوِّعة التي واجهَتها النساءُ السالفات مواجهةً مُتكرِّرة عبر التاريخ. وأمَّا المنظور الثاني فكان الفيزيولوجيا؛ أي دراسةُ تأثيرِ الهرموناتِ وتدفُّقِ الدم والخواصِّ التشريحية على جنسانية النساء، وأمَّا المنظور الثالث فكانَ المنظورَ الطبي السريري، أو دراسة الصعوبات التي تواجهها النساء وتتغلب عليها أحيانًا فيما يتعلَّقُ بالرغبة الجنسية، والاستثارة الجنسية، والنشوة. وأمَّا المنظور الرابع فتمثّلَ في المنظورِ النفسي وما يحتويه من معرفةٍ علميةٍ في كلِّ ما يخصُّ تأثيرَ الحالات الذهنية للمرأةِ على جنسانيَّتها.

ويختتم المؤلفان الكتابَ بقولهما: “نأملُ أن تكونَ دراستُنا نابضةً بالحياة من خلال ما احتوَته من تجاربِ النساءِ اللاتي تَفضَّلنَ مشكوراتٍ بمشاركتها معنا فوصفُ امرأةٍ ما لتجربتها الجنسيَّةِ مع شريكها بأنَّها “زهرةُ حُبِّهما المُتفتِّحة” قد يحتوي من التجربةِ الحقيقية ما لاتوفِّرهُ نظرية مثلث الحب”. وهنا يقدِّم المؤلفان معرفتَهما كاملةً في هذا المضمار الشائك بناءً على سلوكياتِ البشر؛ بأنَّ معرفتَهما هذه مهما كانت تحليليَّةً دقيقةً وعلميَّةً رصينةً فإنَّ تجربةَ الفردِ البشري الشخصيَّةَ تبقى أعلى مستوىً من أيِّ تحليلاتٍ أخرى، إذ إنَّ سلوكيَّاتِنا المُنفرِدة -بوصفنا بشرًا- هي ما صاغت تقدُّمَنا العلميَّ، وهي ما نحَتت علومَنا وحياتَنا، لذا كان هذا الكتابُ محاولةَ إضاءةٍ علميةٍ على ما نفعلُه نحن البشر في ما يخصُّ سلوكياتنا الجنسانيَّة.

معلومات الكتاب:
العنوان: النساء الوقوف على الدوافع الجنسية.
المؤلف: ديفيد باس وسيندي ميستون.
ترجمة: أحمد الناصح.
دار وسنة النشر: دار المعقدين 2018.
عدد الصفحات: 497.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق