الصحة والطب

مستقبل العقل (الاجتهاد العلميّ لفهم العقل وتطويره وتقويته)

يقدم العالم الفيزيائيُّ “ميشيو كاكو” آخر كتبه العلميّةِ لنا تحت مُسمّى “مستقبل العقل” وهوالثّالث في سلسلته عن توقّعاته المستقبليّةِ العلميّةِ والتّطورِ الّذي سيشهده ميدان العلم وتأثيره في حياة الإنسان، فبعد كتابه “رؤى مستقبليّة” الصّادر عام 1997، وكتابُه “فيزياء المستقبل” الصّادر عامَ 2011، يأتي كتابه هذا عن “مستقبلِ العقلِ” الصّادر عام 2014 في محاولةٍ استكشافيّةٍ وبحثيّةٍ لهذا العضوِ المحاطِ بالأسرار.

يستهلُّ ميشيو كاكو كتابه بمقدّمةٍ عن أعظمِ سرَّين من أسرارِ الطّبيعة، واللَّذين ما زالت البشريّةُ تبحثُ بشغفٍ ودهشةٍ في مكنوناتهما، ألا وهما “العقلُ والكونُ”، ذلكَ أنَّ تفحُّصَ المساراتِ الدّاخليّةِ للدّماغِ يأتي في نفسِ أهميّةِ تتبُّعِ الكونِ وتاريخه وحركته وفيزيائيّته، إذ ما زالت المحاولات الاستكشافيّةُ من قبل المجتمعِ العلميِّ لهذَين المفهومَين ضئيلةً بقدرِ كبرِهما واتّساعهما، فالكون بعظمته وضخامته واتّساعه يأتي في مقابلهِ الدّماغُ بقدرته على الوعي والاستيعاب وكلِّ ما يجري بداخله ما أعطى هذا النُّوعُ الحيُّ المدعوّ بالإنسانِ القدرةَ على تفهُّمِ الكونِ من حوله.

وبعد تقديم ميشيو كاكو للكتاب على أنَّهُ محاولةٌ غيرُ متخصِّصةٍ لمعرفةِ العقلِ والدّماغِ والتّساؤلِ عن ماهيّةِ ما يوجدُ خلفَ هذا الغشاءِ العظميِّ وكلُّ ما يجري داخله، ينتقلُ إلى الكتابِ الأوّلِ مستعرضًا تاريخَ الدّماغِ، والوعي عند الكائناتِ الحيّةِ وكيفيّةِ تراتبِ الوعي وتقسيمه عند هذه الكائناتِ وصولًا للإنسان. مع توقُّعٍ حولَ مستقبلِ تطوّرِ الدّماغِ وتناسُبِ هذا التّطوّرِ مع القوانين الفيزيائيّةِ الّتي تحكم العالم كقانونِ مور (الّذي يقولُ بأنَّ قدرة الحاسوبِ تتضاعفُ كلَّ عامَين).

ينتقلُ ميشيو كاكو في الفصل الثّاني إلى استكشافِ التّقنيّاتِ العلميّةِ الجديدةِ الّتي تُسجِّلُ الذّكرياتِ وتقرأ الدّماغَ وتُصوِّرُ الأحلامَ فيديويًّا وأدّت إلى تقنيّةِ التّحريكِ بالعقلِ الّذي أصبح ممكنًا بعد أن كان مجرّدَ خرافةٍ. وهذه التّقنيّاتُ الجديدةُ هي التّقنيّاتُ المعروفةُ كالرّنينِ المغناطيسيِّ والالكتروكورتيكوغرام والعديدُ غيرها واستخداماتُها في الأمراضِ العقليّةِ والدّماغيّةِ المعروفةِ، وكيفَ حوّلت العجزَ البشريَّ المرضِيَّ إلى واقعٍ حياتيٍّ مُعاشٍ أقربَ للطّبيعيِّ.

ينتقل حائز جائزةِ نوبل ميشيو كاكو في الفصلِ الثّالثِ إلى البحثِ عن الأشكالِ المختلفةِ للوعي في الحياةِ كالأحلامِ والعقاقيرِ والأمراضِ العقليّةِ والإنساليّاتِ أو ما يُدعى بالإنسانِ الآليِّ. ويتحدّثُ في هذا القسمِ أيضًا عن إمكانيّةِ التّحكُّمِ في الدّماغِ وتوجيههِ للتّعاملِ مع أمراضٍ مثلِ الاكتئاب والباركنسون وألزهايمر وعدّةِ أمراضٍ أخرى. مع عرضٍ تفصيليٍّ للمشروعَين اللّذَين أعلنَ عنهما كلٌّ من الرّئيسِ السّابق باراك أوباما والاتّحادُ الأوروبيُّ واللَّذَين خصَّصا ملياراتِ الدّولاراتِ لفكِّ شيفرةِ ممرَّاتِ الدّماغِ نزولًا إلى المستوى العصبيّ، مع الآمالِ الكبيرةِ المتوقَّعةِ من هذَين المشروعَين وهما مشروعَي “دماغ” وَ “مشروع العقلِ الإنسانيّ”. ويختم هذا الكتابَ بالحديثِ عن الوعي غيرِ الإنسانيِّ وتعريفه وإلى أيِّ مدىً يمكنُ أن يتطوّرَ وعيُ الإنساليّاتِ خاصّةً، وهل من الممكنِ أن نتعاملَ في المستقبلِ مع وعي غرباءَ فقط من غيرِأجسادٍ ماديّةٍ وإلى العديدِ من المواضيعِ المثيرةِ في هذا القسم.

أمّا في ملحقِ الكتابِ يتحدّثُ ميشيو كاكو عن تخصُّصه في فيزياءِ الكمِّ ومستقبلِ ميكانيكِ الكمِّ في علاقته مع الوعي والحقيقة ضمنَ عرضٍ منمَّقٍ ولطيفٍ وبسيطٍ جدًّا عن هذه الفيزياء المعقّدة، إذ بسَّطها كاكو بأسلوبٍ ملفتٍ للنَّظرِ لكلِّ راغبٍ بمعرفةٍ أكثرَ عن هذا القسم العلميِّ المحاطِ بالغموضِ والغرابة.

ملفتٌ للنّظر أيضًا أنَّ ميشيو كاكو قدَّم نفسه في هذا الكتابِ على أنَّه شخصٌ غيرُ متخصِّصٍ في علم الأعصابِ فهو فيزيائيٌّ نظريٌّ لديه اهتمامٌ كبيرٌ في موضوعِ الدّماغٍ، ولكنَّنا مع ذلك عندما يعرضِ لنا الأسرارَ الدّماغيّةَ والعقليّةَ وعلمَ الأعصابِ فلا يسعنا إلّأ أن نُعجبَ جدًّا بهذا الدّماغِ الّذي يحمله هذا العالمُ الحائزُ على جائزةِ نوبل في الفيزياءِ لمشاركته في نظريّةِ الأوتارِ الفائقة.

————–

معلومات الكتاب:

العنوان: مستقبل العقل (الاجتهاد العلمي لفهم العقل وتطويره وتقويته)

المؤلف: ميشيو كاكو

الناشر: عالم المعرفة

عدد الصفحات:  427

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق