الفضاء

موجز تاريخ الجاذبيَّة: ما الجاذبيَّة؟

ما الجاذبيَّة؟

مِن إسحاق نيوتن إلى ألبرت آينشتيان، تغيَّرت أفكارنا عن الجاذبيَّة تغيُرًا ملحوظًا عبر القرون القليلة الماضية، ويُفسِر لارن فوج القصة كلها.

إنَّها  – الجاذبيَّة – تُحدِّد كيف نتفاعل مع العالم، ولكننا بالكاد نُفكر في ذلك؛ فعضلاتُنا ونِظام توازُننا وقلوبنا وأوعيتُنا الدموية كلُّها تعتمد على الجاذبية؛ نحن نترعرعُ داخل قيودها.

إنَّها حرفيًا تُكتنِفُنا؛ لكن ما هي بالضبط؟

إليك الفكرة الأساسية:

يرى الفيزيائيون الجاذبيَّةَ واحدةً من أربع قوىً أساسية تحكم الكون (القوة الكهرومغناطيسية والقوى النووية القوية والضعيفة)، وتُعرَّف القوة بأنَّها تفاعُلٌ من شأنه تغيير حركة الجسم؛ ولذا فإنَّ هذه القوى الأربع تدعم كلَّ الفيزياء كما تُحدد كيفية تفاعل كلِّ شيء في الكون – بدءًا من التفاعل الكونيِّ الواسع بين المجرات إلى ذلك الذي يربِط الكواركات داخل البروتون أو النيوترون.

وعلى الرَّغم من كونها المعروفة لأطول فترة؛ لكن الجاذبية تُعدُّ القوة الأضعف بين هذه القوى.

ولقرونٍ أدركنا أنَّ أقدامنا ثابتةٌ على الأرض وأنَّ الكواكب في مدار حول الشمس، وحتى قبل أن تُوصَف الجاذبية رياضيًّا؛ ففي القرن السابع عشر قد صاغ عالِمُ الفلك والرياضيات/ يوهانس كِبلر قوانينَ دقيقةً للتنبؤ بحركات الكواكب.

ولسوء الحظ في المقام الأول؛ لم يكن لدى أحد أيَّ فكرة عن سبب دوران الكواكب بهذه الطريقة.

قانونُ نيوتن للجاذبيَّة الكونيَّة:

  أدرك إسحاق نيوتن ضرورةَ أن تكونَ هناك قوة تعملُ بين الكواكب والشمس، كما أنَّه عرَّفَ ماهية القوة، وسواءَ أكان سقوط التفاحةِ هو الذي أَلهَمَ نيوتن أم لا؛ فالمعادلة التي تُوصِل إليها لوصف سلوك هذه القوة كانت معادلةً ثوريَّة.

صورة تشرح قانون الجذب الكوني باللغة العربية

وتقول هذه المعادلة؛ إنَّ الجاذبيَّة هي قوةٌ يبذِلُها جسمان بعضهما على بعض ببساطة؛ لأنَّها تمتلك كُتلة، وشدة هذه تتناسب طرديًّا مع كتلتيّ الجسمين، وعكسيًّا مع مربع المسافة بين مركزيّ الجسمين – فيما يُسمَّى بقانون التربيع العكسيّ -.

وتلخيصًا؛ فإنَّه كلما ازدادت كُتَل الأجسام؛ ازدادت قوة الجذب بينها؛ ولكن كلما بعدت عن بعضها؛ كانت الجاذبية أضعف.

مع الأخذ في الحُسبان الأسطورة المرتبطة بظهور قانون نيوتن عن الجاذبية – التفاحة التي سقطت من الشجرة على نيوتن -؛ فإنَّ قانون الجذب الكونيِّ يُخبرُنا أنَّ الأرضَ لا تجذب التُفاح فقط؛ بل إنَّ التفاحة أيضًا تجذبُ الأرض؛ لكنَّ كُتلة الأرض الهائلة تعني أنَّها تحتاجُ إلى الكثير من القوة لتحريكها بطريقة ملحوظة؛ ولذلك فإن التفاحة تسقُط للأسفل بينما تبقى الأرض بلا حراك. وينطبق الشيء نفسه في سياق أوسع: كل شيء له كُتلة في الكون يتجاذب مع كل شيء آخر.

ومِن ثَمَّ يُمكننا وصف جميع ظواهرِ الجاذبية على الأرض وتقريبها؛ إضافةً إلى حركات الكواكب والمذنبات والأقمار عن طريق وضع عدة أرقام قليلة في هذه المعادلة؛ فإنَّها تُفسر لماذا تتجمع النجوم في المجرات، ولماذا تتجمع المجرات لتشكيل العناقيدِ المجريَّة.

ولكن المعادلة لا تصف كل ما نراه وصفًا كاملًا، فعلى سبيل المثال؛ حجم بعض التغييرات التدريجيَّة في مدار كوكب عطارد حول الشمس، وقد تساءل نيوتن كيف يمكن للقوة أن تعملَ فوريًّا عن بُعد خلال فراغ الفضاء؟

 

نظرية أينشتاين للنسبيَّة العامة:

عَدَّ نيوتن الفضاء الكونيَّ مكانًا مُسطَّحًا وفارغًا يتشكَّل أو يتجسَّم مثل النجوم والكواكب؛ لكن آينشتاين اتخذَ منهجًا مختلفًا.

وفي واحدة من الإنجازات العلميَّة المشهودة في القرن العشرين، أظهر الفيزيائي/  ألبرت آينشتاين وأستاذُه السابق/ هيرمان مينكوفسكي، أنَّ المكان والزمان ليسا كيانين منفصلين، وإنما وحدة واحدة رُباعية الأبعاد، وتخيل آينشتاين ومينكوفسكي أنَّ المكان والزمان نسيجًا واحدًا يمتدُّ من خلال الكون..

وتبعًا لآينشتاين: أي جسم له كُتلة سوف يتفاعل مع نسيج “الزمكان” ويُسبب تشوهات؛ كما يذهب التناظر الكلاسيكيّ لمحاولة تخيُّل الزمكان مثل الترامبولين، وكرة البولينج التي تُوضَع في المنتصف من شأنها أن تَثني النسيج وتخلِق بئرًا، وإذا رميت بعد ذلك عدة كُريات بالقُرب من كرة البولينج؛ فإنَّها ستدور حول البئر إذ تُسحَب إلى الداخل، وتلك الكيفية تُشبه كثيرًا دوران الأرض حول الشمس.

عن جاذبية آينشتين

لذا فإنَّ نظرية أينشتاين للنسبيَّة العامة تصف الجاذبيَّة أنَّها هندسة وليست مُجرد قوة؛ إنَّها نتيجة لمدى تشوُّه/انحناء نسيج الزمكان بسبب المادة أو الطاقة أو القصور.

وعلى عكس نظرية نيوتن؛ فإن النسبيَّة العامة تصف مدارَ كوكب عطارد المتغير حول الشمس وصفًا صحيحًا بمراعاة اضطرابات الزمكان الذي تُسببه كُتلة الشمس.

منذ أن نشر أينشتاين نظريته في عام 1915؛ اكتسبت مجموعةً كبيرةً من أدلة المراقبة لدعمها تجريبيًّا؛ فهي تصف انحناءَ الضوء حول الشمس وعناقيد المجرات البعيدة وصفًا صحيحًا؛ بما أن الكُتل تنبثق من نسيج الزمكان؛ إذ يتحول مسار الضوء ويتبع مسارًا مُنحنيًا على طول معالِم الزمكان.

انحناء الضوء

أُكِدَت النسبيَّة العامة بقياس الانزياح الجذبويّ نحو الأحمر؛ إذ تتنبأ النظرية تنبؤًا صحيحًا كيف أنَّ سحب الجاذبية للنجوم يُزيح تردُّد أضوءها نحو اللون الأحمر..

ومؤخرًا؛ قدمت عمليات الكشف عن موجات الجاذبيَّة دليلًا دامغًا على أنَّ الأجسام  هائلة الضخامة لا تشوه الزمكان فحسب؛ بل يُمكن أيضًا أن تسبب في تموجاتٍ فيه عندما تصطدم ببعضها، مثل اصطدام الثقوب السوداء مع بعضها بعنف.

عن موجات الجاذبية

 

الجاذبيَّة بوصفها قوةً أساسيَّة:

لا يزال الغموض يكتنف أمر الجاذبيَّة؛ فقد تكون واحدة من القوى الأساسية للكون؛ ولكنها في الوقت الحالي تبدو غير متوافقة توافقًا أساسيًّا مع القوى الاُخرى.

وسعى الفيزيائيون إلى صياغة نظرية مُوَّحدة – حتى قبل أنشتاين – تربط كل الجوانب الفيزيائية في الكون، وتتضمن جميع القوى والجسيمات الأساسية، تُعدُّ “نظرية كل شيء” هي أفضل إنجاز في الفيزياء؛ في حين أنَّ نظرية المجال الكميِّ تنجح في الجمع بين القوة بين الكهرومغناطيسية والقوى النووية القوية والضعيفة؛ كما أنَّها تُكافح لإدراج النسبية العامة ضمنها.  

وقد قضى آينشتاين النصف الثاني من حياته المِهنيَّة في محاولة اكتشاف كيفية توافق الجاذبيَّة مع بقية القوى؛ لكنه لم يحقق الكثير.

إنَّ ربط هذين الإطارين النظريين هو مجال مفتوح للبحث يمتدُّ من مجال الجاذبية الكموميَّة ونظرية الأوتار ونظرية إم M وأكثر من ذلك…

 

وتبدو هذه المحاولات بعيدةً عن نيوتن وتفاحته؛ ولكنها ما تزال صورة مُصغرة للعلم كليًّا؛ ففي بعض الأحيان يكون الكون أكثرَ تعقيدًا وأكثرَ إثارًة للاهتمام بكثير مما كان يُعتَقَد عنه في البداية.

 

 

المصدر:
هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق