فهرس إكس

موجز عن تاريخ الفلسفة، الفلسفة الطبيعية: ما قبل السقراطية


يمكن تعريف الفلسفة بالمعنى الذي كانت تُفهَم به الكلمة على العموم في العالم القديم بأنَّها البحثُ عن الحقيقة فيما يتعلق بطبيعة الكون والإنسان.

ومرّت الفلسفة اليونانية بثلاثة أدوار: دور النشوء ثم دور النضوج ثم دور الذبول، والدور الأول فيه وقتان؛ الأوَّلُ هو المُسمَّى “ما قبل سقراط” وهو يمتاز باتحاد وثيق بين العلم الطبيعي والفلسفة، والثاني “وقت السفسطائيين وسقراط” ويمتاز بتوجه الفكر إلى مسائل المعرفة والأخلاق.

الطبيعيون الأوَّلون:
أهمُّ الفلاسفة الطبيعيين نبدأهم مع طاليس الملطي؛ أحد الحكماء السبعة الذين انفردوا بالعناية بالعلم في حين كانوا يهتمون بالسياسة والأخلاق، وقد أنبأ عن كسوف الشمس الكلي الذي وقع في 28 مايو/أيار عام 858 ق.م أيضًا، ووضع تقويمًا للملاحين من أهل وطنه ضمنه إرشاداتٍ فلكية وجوية، ودلَّ أساتذته المصريين على طريقة لقياس ارتفاع الأهرام.

أما في الفلسفة فقد بدأت باسمه لأنه وضع المسألة الطبيعية وضعًا نظريًّا بعد محاولات الشعراء واللاهوتيين وقال أن الماء هو المادة الأولى والجوهر الأوحد الذي تتكون منه الأشياء.

فكانت فلسفته شيئًا جديدًا وبدلًا أن يفسّر تنوّع الكائنات استنادًا إلى القوى الطبيعية والآلهة نظر إليها على أنّها أشياء معروفة ومحسوسة، حاول الاستقراء والبرهنة وهذا المنهج كان نقطة تحوّل في التفكير وأمّا قوله بالماء فكان آخر صدى للتقليد القديم، وفهم القدماء أنّ منهجه مستقل عن كل قول معيّن.

– أنكسيمندريس هو تلميذ طاليس، يُقال أنه صنع كرة فلكية ووضع خريطة أرضية استنادًا إلى المعلومات التي كان يأتي بها اليونان إلى ملطية.

والأهم هو نظريته في العالم فقد رأى أن الماء لا يصلح أن يكون مبدأ أولي، فدعا المادة الأولى باللامُتناهي وقال إنها لامتناهية بمعنيين: من حيث الكيف أي لا معينة “محددة” ومن حيث الكم أي لامحدودة.

والتطور لديه هو قانون عام؛ تخرج الأشياء من اللامتناهي ثم تنحل وتعود إليه ويتكرر الدور.

– انكسيمانس هو تلميذ انكسمندريس وأقل منه توفيقًا في العلوم وأضيق خيالًا، عاد إلى رأي طاليس في الأرض فاعتقد أنّها قرصٌ مسطَّحٌ قائم على قاعدة وأنكر حركة الشمس ليلًا تحتها، واستبدل بها حركة جانبية حولها، وعلل اختفاء الشمس من المساء إلى الصباح بأنّ جبالًا شاهقة تحجبها عن الأنظار أو أنّها أبعد عن الأرض في الليل منها في النهار.

وعاد إلى موقف طاليس أيضًا في مسألة المادة الأولى فقال أنّها محسوس متجانس، ولكن هذا الشيء هو هواء لامتناه محيط بالعالم ويحمل الأرض، فالهواء نَفَس العالم وعلّته وهو المبدأ الأول للموجودات التي تحدث منه نتيجة التكاثف والتخلخل.

ولِدَ هرقليطس في افسوس من أسرة عريقة ولكنه زهد كل جاه وتوفر على التفكير، إلّا أنّه ظلَّ ارستقراطيًا بكل معنى الكلمة، يباعد بينه وبين الناس ويحتقر العامة ومعتقداتها الدينية ومعارفها التقليدية.َ

(الأشياء في تغير متصل) هذا قوله الأكبر وملخص مذهبه وهو يمثل له بصورتين، الأولى جريان الماء فيقول: “أنت لا تنزل النهر الواحد مرتين، فإن مياهها جديدة تجري من حولك أبدًا” والصورة الأخرى اضطرام النار وهي أحب لديه من الأولى؛ لأن النار أسرع حركة وأدل على التغير، ولأنّه يرى في النار المبدأ الأول الذي تصدر عنه الأشياء وتعود إليه، ولولا التغيّر لم يكن شيء فإن الاستقرار موت وعدم والتغير صراع بين الأضداد ليَحُلَّ بعضها محل بعض.

الإيليون:
ولِدَ بارمنيدس في إيليا، وآمن بوحدة الوجود متأثرًا بـ أكسانوفان.

وضع كتابه (في الطبيعة) شعرًا فكان أول من نظّم الشعر في الفلسفة، وكتابه قسمان: الأول؛ الحقيقة أي الفلسفة والثاني؛ في الظن أي العلم الطبيعي، فإن المعرفة عنده نوعان, عقلية وهي ثابتة كاملة، وظنّية وهي قائمة على العرف وظواهر الحواس.

والحقيقة الأولى عنده هي “أن الوجود موجود ولا يمكن ألا يكون موجوداً” ولما كان الوجود موجود فهو قديم بالضرورة لأنّه يمتنع أن يحدث من اللاوجود، وليس للوجود ماضٍ ولا مستقبل ولكنه في حاضر لا يزول، وينتفي التغيّر.

ميزته هي أنه فيلسوف الوجود المحض تجاوز عالم الأعداد والأشكال، وبلغ إلى الموضوع الأول للعقل وهو الوجود فكان أول فيلسوف جرد مبدأ الذاتية ومبدأ عدم التناقض ارتفع إلى مبادئ الوجود ومبادئ العقل بقوة لم يسبق إليها فأنشأ الفلسفة الأولى أو الميتافيزيقا واستحق أن يدعوه أفلاطون “بارمنيدس الكبير”.

الطبيعيون المتأخرون:
كان أنبادوقليس من أبلغ أهل زمانه واشتهر بالفلسفة والطب والشعر والخطابة، وقال عنه أرسطو أنه منشئ علم البيان.

لم يحاول رد الأشياء إلى مادة أولى واحدة ولكنه وضع أصولًا أربعة: الماء والهواء والتراب والنار؛ فكان أول من اعتبر التراب مبدأ، وقال إن هذه الأربعة مبادئ على السواء ليس بينها أول ولا ثان لا تتكون ولا تفسد فلا يخرج بعضها من بعض ولا يعود بعضها إلى بعض، أنّ لكل مبدأ كيفية خاصة: الحار للنار والبارد للهواء والرطب للماء واليابس للتراب؛ فلا تحول بين الكيفيات.

ولِدَ ديمقريطس في أبديرا وكانت مدينة غنية بناها فريق من الأيونيين بالقرب من مناجم الذهب.

وأرسطو نفسه يقرن اسمه دائما باسم ديمقريطس تلميذه وصديقه، ويضيف إليهما مذهبًا واحدًا، وعُرِفَ هذا المذهب في القديم من كتب ديمقريطس، وكانت تؤلف موسوعة كبرى في أسلوب تعليمي تناولت أصناف العلوم والفنون.

ودلّته التجربة على وجود ذرات مادية غاية في الدقة كالتي تتطاير في أشعة الشمس، ودلّته التجربة أيضا على أن اللبن والخشب يرشح منهما الزيت والماء، وأن الضوء يخترق الأجسام الشفافة، وأن الحرارة تخترق جميع الأجسام تقريبًا، فبدا له أن في كل جسم مسام خالية يستطيع جسم آخر أن ينفذ منها، وهذه التجارب استدلّها لوقيبوس معه.

ولِدَ أنكساغوراس في أفلازومان بالقرب من أزمير، ولمّا ناهز الأربعين نزح إلى أثينا فلما دخلها أنكساغوراس دخلت معه الفلسفة لأول مرة وأقام فيها ثلاثين سنة كان في خلالها قطب الحركة الفكرية، واتُّهِمَ بالإلحاد؛ استشهادًا بما كان قد ذهب إليه من أن القمر أرض فيها جبال ووديان، وأنّ الشمس والكواكب أجرام ملتهبة لا تختلف طبيعتها عن طبيعة الأجسام الأرضية كما يتبين من مقابلة الأحجار المتساقطة من السماء بما عندنا من أحجار، ولم يكن الأثينيون يطيقون مثل هذا القول؛ لاعتقادهم أن كل ما هو سماوي فهو إلهي، فاضطر لمغادرة المدينة وعاد إلى آسيا الصغرى.

وذهب الى القول بأن الأشياء متباينة في الحقيقة كما تبدو لنا، وأن قسمة الاجسام بالغة ما بلغت تنتهي دائماً الى أجزاء متجانسة للكل.

المصادر:
1. كرم، يوسف. تاريخ الفلسفة اليونانية، مصر، القاهرة، مؤسسة هنداوي، 2012.
2. أرمسترونغ، أ. ه. مدخل الى الفلسفة القديمة، ترجمة: سعيد الغانمي، لبنان، بيروت، المركز الثقافي العربي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق