فهرس إكس

ناسا بالعربي – مركبات فضائية مستوحاة من الأوريغامي

أمثلةٌ عن تصاميمَ أوريغاميّةٍ في مختبر الدفع النفّاث، حيث يبحث المهندسون هذا الشكل من الفن القديم لإنشاء مركبةٍ فضائيّةٍ قابلةٍ للطيّ. حقوق الصورة: NASA/JPL-Caltech

لقد اتُخذ شكل فنٍ قديمٍ شكلًا جديدًا في مختبر الدفع النفّاث في باسادينا، كاليفورنيا. فقد أوحت الأوريغامي، وهي طريقةٌ يابانيّةٌ تقليديّةٌ في طيّ الورق، بعددٍ من تصاميم المركبات الفضائيّة الفريدة من نوعها هنا. أما أن يذهل هذا الفن مهندسي ناسا، فهذا أمرٌ يثير قليلًا من التساؤل، إذ يمكن للأوريغامي أن يبدو بسيطًا بشكلٍ مضلٍّ، فهو يُخفي رياضياتٍ معقدّةٍ في ثناياه.

وإلى جانب مظهرها الجمالي، فإنها تعالج مشكلةً متكرّرةً يواجهها مهندسو مختبر الدفع النفّاث، وهي: كيف يمكنك توضيب أكبر مقدارٍ من مركبةٍ فضائيّةٍ في أصغر حجمٍ ممكن؟

قد نعثر على إحدى الإجابات في مظلّة النجوم (Starshade)، وهي قزحيّةٌ هائلةٌ قابلةٌ للطيّ طُرحت كوسيلةٍ لحجب الضوء القادم من النجوم البعيدة. إذ ستُنشر بقطر 26 مترًا في الفضاء تقريبًا، أي ما يعادل أبعاد ملعب البيسبول القياسي.

يزيد تخفيف سطوع ضوء النجم من قدرة تليسكوبٍ فضائيٍّ على الكشف عن كواكبَ خارجيّةٍ مداريّةٍ. وأحد المشاريع المستقبليّة أخذ بعين الاعتبار احتمال استخدام مظلات النجوم، وهو تلسكوب مسح الأشعة تحت الحمراء واسع النطاق (Wide Field Infrared Survey Telescope)، إذ سيوظّف ستارةً إكليليّةً coronagraph لتصوير كواكب كبيرةٍ حول النجوم الأخرى. وإذا حلّقت مظلّة للنجوم، فإن وجودها مع تلسكوب مسح الأشعة الحمراء واسع النطاق WFIRST سيسمح له بالكشف عن كواكب أصغر أيضًا.
 

ويقول منان أريا (Manan Arya)، وهو تقنيٌّ يعمل على ستارة النجوم: “شيءٌ بهذا الكبر هو أكثر عرضةً لمخاطر ضربات النيازك الصغيرة. فأيّ ثقوبٍ من شأنها أن تعني مرور الضوء والتشويش على رؤية التلسكوب. لهذا السبب تحوّل مختبر الدفع النفّاث إلى نموذجٍ قابلٍ للطيّ مستوحىً من الأوريغامي”.

 

ويقول أريا: “نستخدم طبقاتٍ متعدّدةٍ من المواد لحجب ضوء النجم، مفصولةٍ بواسطة بعض الفجوات، وبذلك في حال حدوث اصطدامٍ، فهناك فرصةٌ جيّدةٌ بعدم وجود ثقبٍ في الخط البصري. كان المفتاح هو تطوير خوارزمياتٍ تسمح بطيّ مظلّة النجوم بسلاسةٍ وبشكلٍ يمكن التنبؤ به ومتكرّر”. ويقول أريا: “ينحصر جزءٌ كبيرٌ من عملي في البحث عن شيءٍ على الورق والسؤال، هل يمكننا جعل هذا يطير؟”.
 

ويمكن اعتبار أريا المدير العام الأوريغامي origamist in chief لمظلّة النجوم، إذ موضوع أطروحتة للدكتوراه هو النظر في استخدام الأوريغامي في البنى الفائقة الفضائيّة.
 

وقد ألهمه تاريخٌ ملوّن من طيٍّ للفضاء. وضمّ صفوفًا من ألواح الطاقة الشمسية، كتلك الموجودة في المحطة الفضائيّة الدوليّة، وأجنحةً تجريبيّةً مُصمّمةً لبرنامج مكّوك الفضاء في الثمانينيات، حتى إيكو 1، وهو منطادٌ يدور حول الأرض يبلغ طوله عشرة طوابق كان ينبغي أن يُحزم في مستودع حمولةٍ كرويّةٍ قطرها 66 سنتيمترًا قبل الإطلاق.

 

ويقول أريا: “عندما أدركت أن هذه هي الطريقة التي تُطوى فيها هياكل المركبات الفضائيّة، أصبحت مهتمًا بالأوريغامي. لقد عرفت أنني كنت أجيد ذلك واستمتعت به، والآن أنا أطوي باستمرار”.

 

وهو ليس لوحده، حيث يعمل روبرت سالازار (Robert Salazar)، المتدرّب في مختبر الدفع النفّاث والذي ساعد في تصميم نموذج مظلّة النجوم القابل للطيّ، يعمل الآن على مفهومٍ تجريبيٍّ يُدعى محوّلاتٍ للبيئات القمريّة الحادّة (Transformers for Lunar Extreme Environments)، كما يقود عالم الأبحاث الكبير بـ JPL أدريان ستويكا (Adrian Stoica) المشروع، الذي سيستخدم مرايا عاكسةً غير قابلةٍ للطيّ لتعكس أشعة الشمس داخل الفوهات العميقة الموجودة على سطح القمر. وبمجرّد نشرها، تمكن لهذه الطاقة الشمسيّة إذابة الجليد المائي أو تزويد الآلات بالطاقة.
 

تناثرت تصاميم سالازار التجريبيّة المطويّة والمواد في منطقة العمل إلى جانب القصاصات، ومعظمها من الورق. كما إنه يطوي الكابتون أيضًا، وهي مادةٌ شبيهةٌ بالحبال المستخدمة في السيرك تُستخدم كعازلٍ في المركبات الفضائيّة، ونسيجٌ خاص من البولي إيثلين لا يشكّل ثنايا دائمةً.

 

ووفقا لسالازار: “يكمن السحر في معظم أشكال الأوريغامي في الطيّ. لا يمكنك التصميم على نحوٍ صافٍ في الهندسة، فأنت بحاجة معرفة صفات المواد لفهم كيفيّة طيّها”.
 

استمر سالازار بصنع الأوريغامي لمدة سبعة عشر عامًا. وفي طفولته، كان يلهمه كتاب الأطفال “ساداكو ورافعات الألف ورقة Sadako and the Thousand Paper Cranes“. وتشمل التصاميم الأصليّة الخاصّة به حيواناتٍ ورقيّةٍ. وفي الحقيقة، إنه يطوي نسخًا ورقية من الأنواع المهدّدة بالانقراض ويتبرع بها لصالح محميّات الحياة البرية. ويضيف بأن استخدام الأوريغامي في الهندسة هو أمرٌ جديدٌ نسبيًا ويحفز نشر أطروحاتٍ تقنيّةٍ على نماذج قابلةٍ للطيّ.

 

ويستطرد سالازار: “هناك الكثير من النماذج التي لا يزال يتعيّن اكتشافها، فمعظم التصاميم هي لأشكالٍ تُطوى بشكلٍ سطحيٍّ. أما الهياكل غير المسطّحة كالكرويّة أو المجسمّة على شكل قطوعٍ مكافئةٍ paraboloids، فهي لم تُنفذ بشكلٍ كبيرٍ”.
 

مازال العمل على مظلّة النجوم والمحوّلات في مراحله الأولى. ولكن، يشير أريا إلى أننا قد نشاهد أوريغامي فضائيّ في وقتٍ قريبٍ جدًا. ويُعدّ كيوبسات (CubeSats) تطبيقًا واعدًا واحدًا. فلهذه الأقمار الصناعيّة المنمنمة حجم الحقيبة، وستطلق ناسا عدّة بعثاتٍ رئيسيّةٍ باستخدام وحدة المركبة الفضائيّة هذه في السنوات المقبلة.

 

ولأنها تتطلّب مساحةً صغيرةً جدًا، وكذلك الأمر بالنسبة للكتلة والتكلفة، فسيسهل إطلاقها. ولكن إمكانيات CubeSats ستبقى محدودةً دون هياكلَ قابلةٍ للطيّ، والتي يمكنها أن تجمع الهوائيات والمعدّات الأخرى ضمنها. ويقول أريا: “إنه مجالٌ حيث أرى أن الأوريغامي سيكون له دور متزايد”.
 

والمجال الأخر هو الروبوتات. فقد اسُتوحي روبوت خاص بمختبر الدفع النفّاث يدُعى PUFFER من الأوريغامي. حيث صُنع جسمه القابل للطيّ من لوحة دارةٍ كهربيّةٍ قابلةٍ للطيّ مدعمّةٍ بالألياف. وحين يكون قيد الاستخدام، ينبسط بكامل جسمه ويتسلّق الصخور أو ينضغط للأسفل تحت الحواف.
 

في تموز/يوليو، وضعت ناسا دعوةً مفتوحةً لتصاميم أوريغامي لاستخدامها في الحماية من الإشعاع، وهو إشارةٌ أخرى إلى أن شكل هذا الفن لديه الكثير ليقدمه لمستقبل استكشاف الفضاء.

تعود حقوق الفيديو لمختبر الدفع النفاث في باسادينا، كاليفورنيا.

 

“الأوريغامي في مختبر الدفع النفّاث، يستخدم العلماء حرفة طيّ ورق قديمةٍ لإنشاء هياكل يمكن استخدامها في الفضاء. لقد خضت في الأوريغامي بعد أن أدركت أنها قد تكون مفيدةً في صنع هياكل مركباتٍ فضائيّةٍ كبيرةٍ. والآن أنا أحبّها كطريقةٍ لذلك، فليس التصميم فقط ولكنها طريقةٌ لتمثيل وتصوير التصاميم.

إنه لأمر رائع أن تتمكن من طيّ شيءٍ لتصل إلى مقاييس صغيرةٍ جدًا إضافةً إلى حفاظك على مبادئ التصميم الذي يمكن أن يُطبّق بمقاييس مختلفةٍ. شيءٌ يمكننا تطبيقه بالتأكيد، فقط أمسك صفيحة من الورق وستتمكّن من التصميم أينما كان، وأكبر تحدّي أحبه في ذلك أن كلّ طيّةٍ مثبّتةٌ هندسيًّا وعلى نحوٍ وثيقٍ بالطيّات الأخرى في النموذج. فإذا أردت إجراء تعديلاتٍ على ارتفاع أو طول أو عرض أو سماكة أيٍّ من الأجزاء سيؤثر على باقي الأجراء، لذا فهي شبكةٌ متّصلةٌ معقّدةٌ. وبالتالي فتحرّي هذا التصميم الفضائيّ مسلٍ جدًا، المشاريع المستوحاة من الأوريغامي في مختبر الدفع النفّاث تضم: هياكل كبيرة غير قابلةٍ للطيّ، كمظلّات النجوم المستخدمة في التلسكوبات الفضائيّة. وروبوتات يمكن طيّها، كبوفر.

 

المصدر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق