فهرس إكس

نعم…بعض المجموعات اللانهائية من رُتب مختلفة متساوية

“طًرحت هذه المسألةُ منذ قرنٍ، من المعروف لدى علماءِ الرّياضيات أنّ مجموعةَ الأعدادِ الحقيقيّةِ أكبرَ من مجموعةِ الأعدادِ الطّبيعيةِ، ولكن لم يُعرَف الفرقُ بينها. فهل تتواجدُ مجموعاتٌ لانهائيّةٍ يتوسّطُ حجمها بين مجموعةِ الأعدادِ الطّبيعيّةِ والحقيقيّةِ”. هذا ما قالته ميرياناث ميلليارس Malliaris من جامعة شيكاغو مساعدةُ الباحثِ ساهارون شيلاح Shelah من جامعةِ القدس. قدّم الباحثان حلًّا فاجأ علماءَ الرّياضياتِ لمعضلةٍ صمدت ٧٠ عامًا، وهي أنّه إن كان لدينا مجموعةً غير منتهيةٍ p ومجموعةٍ أخرى غير منتهيةٍ T، فهل يمكن العملَ على مقارنةِ هاتين المجموعتَين وإثباتِ تساويهما.
نشرَ الباحثان برهانَهما في مجلّةِ مجتمعِ الرّياضيّاتيّين الأمريكيّ Jornal of the Ameican Mathematical Socity وقد كوفئا بجائزةٍ في مجالِ نظريّةِ المجموعاتِ في تموز 2017.

حيث أنَّ هذا العملِ قد ربطَ بين حجمِ المجموعاتِ غيرِ المنتهيةِ وما عُرِف في نظريّةِ النّمذجةِ عن درجةِ تعقيدِ نظريّاتِ الرّياضيات.

نبذة عن اللّانهاية:
مصطلح اللّانهاية في ذاتِه مربكٌ، فما بالك بفكرةِ وجودِ قياساتٍ مختلفةٍ من اللّانهايةِ؟ يمكن تبسيطُ الأمرُ كالتّالي:
ليكن لدينا مجموعَتَين ، مجموعةٌ من السّيّاراتِ ومجموعةٌ من السّائقِين. إن توفَّرَ لكلِّ سائقٍ سيّارةٌ يقودها ولكلِّ سيّارةٍ سائقٌ فإنّنا نقولُ أنّ عددَ السّيّاراتِ وعددَ السّائقينَ متساوٍ وإن لم نعلم عددهم.
طبّق كانتور هذا المبدأ مستخدمًا لغةَ الرّياضيات، وأثبت أنّ لمجموعتَين الحجمَ ذاتَه أو العددَ ذاتَه من العناصرِ إن وُجِدَ تطبيقٌ مطابقٌ بينَ هاتَين المجموعتَين. وكان جهُدُ كانتور مشكورًا عندما أثبت أنَّ هذه الفكرةَ يمكن أن تُطبَّقَ حتّى إن كانت المجموعةُ غيرَ منتهيةٍ.
مثلًا: أثبت كانتور أنَّ مجموعةَ الأعدادِ الطّبيعيّةِ والأعدادَ الزّوجيّةَ وحتّى الأعدادَ الأوليّةَ هي مجموعاتٌ متساويةٌ. وتُسمّى هذه المجموعاتُ بمجموعاتٍ قابلةٍ للعدِّ.

كما أثبتَ كانتور أنَّ بعضَ المجموعاتِ غيرِ المنتهيةِ أكبرَ من مجموعةِ الأعدادِ الطّبيعيّةِ. وسُمِّيت هذه المجموعاتُ غيرَ قابلةٍ للعدِّ مثلُ مجموعةِ الأعدادِ الحقيقيّةِ. وما لم يستطع كانتور الإجابةَ عنه هو “هل يوجدُ مجموعةٌ متوسّطةُ الحجمِ بينَ مجموعةِ الأعدادِ الطّبيعيّةِ والمجموعاتِ غيرِ القابلةِ للعدِّ؟”. غيرَ أنّه افترضَ عدمَ وجودِ مثلُ هذه المجموعةِ بما يُعرَفُ بفرضيّةِ الاتّصال.

عام ١٩٠٠، وضعَ عالمُ الرّياضياتِ الألمانيِّ هيلبرت لائحةً من ٢٣ مسألةً من أكثرِ مسائلِ الرّياضياتِ إلحاحًا. ووضعَ فرضيّةَ الاتّصالِ على رأسِ هذه اللّائحةِ.

إجبار النّفي:
حاول علماءُ الرّياضياتِ خلالَ النّصفِ الأوّلِ من القرنِ العشرين أن يُجيبوا عن فرضيّةِ الاتّصال وذلكَ بدراسةِ مجموعاتٍ مختلفةٍ من المجموعاتِ اللّامنتهيّة. وقد بدت العديدُ من المقارناتِ صعبةَ التّنفيذِ، إلى أن أتى بول كوهن (١٩٦٠) الّذي أكملَ عملَ غوودل (١٩٤٠) ووضَّحَ سببَ هذه الصّعوبة.
طوَّر كوهن طريقةً سمّاها “الإجبار” واستُخدمت هذه الطّريقة لتوضِّحَ أنَّ فرضيّةَ الاتّصالِ مُستقلّةً عن مُسلِّماتِ الرّياضيات، أي أنَّه لا يمكن إثباتها اعتمادًا على مبرهناتِ ومسلِّماتِ نظريّةِ المجموعاتِ. بالطّبع فإنّ مجموعةً من الرّياضياتيّينَ طبّقوا طريقةَ كوهن في إثبات أنّ المقارنة بين المجموعات غيرِ المنتهيةِ لا يمكن أن تتمَّ في إطارِ المسلِّماتِ الرّياضياتيّةِ الّتي تعتمد عليها نظريّةُ المجموعاتِ.

بقيت المسألةُ الّتي تقارن بين المجموعة P والمجموعة T وهما مجموعتان غيرُ منتهيَتَين دون إجابة. ما كان مُثبتًا لدى العلماءِ أنّ كلا المجموعتَين تزيد عن مجموعةِ الأعدادِ الطّبيعيّةِ وأنَّ المجموعةَ P أصغرُ أو تساوي المجموعة T فإن أثبتنا أنّ المجوعةَ P تزيدُ أو تساوي المجموعة T فقد أثبتنا أنّهما متساويتَين وأنّ فرضيّةَ الاتّصالِ خاطئةً.

وهنا تكمنُ المسألة، وهذا ما تمَّ إثباته مؤخرًا. والطّريف أنّ هذا الإثباتَ قد تمَّ اكتشافه عن طريقِ الصُّدفةِ عندما كان المؤلّفان يعملان على مسألةٍ لحسابِ درجة التّعقيد.

مسألة درجة التّعقيد:
من وجهةِ نظرِ علم النّمذجةِ فإنّ النّظريّةَ هي مجموعةُ افتراضاتٍ أو قوانينَ تُعرّفُ مجالًا في الرّياضيات. يمكنك اعتبارُ النّمذجة على أنّها تصنيفٌ لنظريّاتِ الرّياضيات أو استكشافٌ لشيفرةِ الرّياضيات. كما يقول كيسلر Jerome Keisler : أعتقد أنَّ سبب اهتمامِ النّاسِ في تصنيف النظريّاتِ هو إرادتهم لفهمِ الأسبابِ الجوهريّةِ لحدوث الأشياء في مجالات الرّياضياتِ المختلفة”.

في عام ١٩٦٧، قدّمَ كيسلر مقياس كيسلر وهو تصنيفُ نظريّاتِ الرّياضيات بحسب درجةِ تعقيدها. اقترح نظامًا لقياسِ التّعقيدِ وأثبتَ أنّ للنّظريّاتِ في الرّياضيات مقامَين، الأولى ذاتُ درجةِ تعقيدٍ دُنيا وثانية ذاتُ درجةِ تعقيدٍ عظمى.
لا شكَّ أنّ معرفةَ تعقيدِ النّظريّة لن يكون بالأمرِ السّهلِ، لذا قام الكثيرُ بالعملِ على فهمِ هذه المعضلة. أصدرَ شيلاح كتابًا مؤثّرًا تضمنُ فصلًا يُظهر أنّ التّعقيدَ يطراً على شكلِ قفزاتٍ وعرّف حدودًا بين النّظريّاتِ المُعقّدةِ والنّظريّاتِ الأقلِّ تعقيدًا. أمّا ميلليارس فقد قدَّمت تصنيفاتٍ جديدةً لدرجةِ التّعقيدِ ضمن رسالتِها للدّكتوراه. وهكذا في ٢٠١١ اجتمعَ شيلاح و ميلليارس لفهمِ بناءِ درجاتِ التّعقيدِ، وكان أحدُّ أهدافِهم تحديدُ الخواصِّ الّتي تجعلُ نظريّةً ما أكثرُ تعقيًدا بحسبِ معيارِ كيسلر.
ومن خلالِ عملهما على درجاتِ التّعقيدِ قدّما أمثلةً أعطت حلولًا لمسألةِ فرضيّةِ الاتّصال.
شرح للمثال المقدم:
تعريفاتٌ مهمّةٌ:
N}^N0} هي مجموعةُ المجموعاتِ غيرِ المنتهيةِ من الأعداد الطّبيعيّة.
A⊆*B إن كانت مجموعة العناصر المنتميةِ لـ A وليست منتمية لـ B مجموعة منتهية.
نقول عن مجموعة D أنّها تمتلكُ تقاطعًا زائفًا pseudo-intersection إن وُجدِت مجموعةٌ غيرُ منتهيةٍ من A من مجموعةِ الأعداد الطّبيعيّةِ بحيث أنَّ كلَّ مجموعةٍ جزئيّةٍ من D تحقق A⊆*B.
نقولُ عن مجموعة D أنّها تُحقّقُ خاصّةَ s.f.i.p ) strong finite intersection property) إن كانت كلُّ عائلةٍ جزئيّةٍ غيرُ خاليةٍ منتهيةٍ منها تمتلك تقاطعًا لانهائيًّا.
نقول عن مجموعة D أنها برج Tower إن كانت مُرتّبةً جيّدًا وفق العلاقة ⊆* بمعنى أنّ أيّةَ مجموعتَينِ جزئيّتَين من D فإنّ بينهما علاقة إمّا
A⊆*B أو B⊆*A .
ومنه يكون:
{P=min {|F|: F⊆{N}^N0 has s.f.i.p but has no infinite pseudo-intersection
{T=min {|E|: E⊆{N}^N0 is tower

وما قد تمَّ إثباتُه أنّ P=T.

خلاصةُ الأمرِ، يتمثّلُ جمالُ هذا الإنجازِ في أنَّ نظريّةَ النّمذجةِ كانت بابًا لفهمِ وإثباتِ قضيّةٍ كانت تبدو بعيدةً نسبيًّا عنها من نظريّةِ المجموعات.
لذا لابدُّ للباحثِ من أن يمتلكَ قاعدةً واسعةً تشملُ علومًا مختلفةً وألّا يقتصرَ بحثه على اختصاصِهِ وحسب.

المصدر:

هنا
هنا#
هنا
هنا
هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق