تقنية

نموذج جديد لتعليم قواعد اللغة الأجنبية

أُجريت على مدى العقود الماضية أبحاثٌ كثيرة على تعقيدات التدريس والتعلم بلغة أجنبية، ولكوننا نعترف بأهمية دور الكفاءة النحوية في التواصل – إلى جانب الكفاءات البراغماتية، واللغوية الاجتماعية، والخطابية – فقد جعلْنا من التواصلِ الحقيقي أو الواقعي هدفَنا الرئيس لتدريس لغة أجنبية وتعلُّمِها. ولكن مع إغفال دور النحو، ربما نكون قد فقدنا التركيز على الكفاءة النحوية، التي لا تزال جزءًا لا يتجزأ من الكفاءة التواصلية، وهذا لا يشمل فقط قواعد النحو والصرف بل أيضا قواعد علم الأصوات، وقد يكون أحدُ العوامل المساهمة في فقدان التركيز على الكفاءة النحوية عدمَ وجود أساليبَ تعليميةٍ محددة لتعليم القواعد والنطق تتوافقُ مع الهدف الجديد للتواصل.

تتناول هذه المقالة على الخصوص تكييفَ طريقتين من طرائق التدريس التي تركز على الشكل وتتوافق إلى حد كبير مع مبادئ منهج تدريس اللغة التواصلية، وهاتان الطريقتان هما طريقة توجيه المعالجة اللغوية Processing Instruction (PI) التي أنشأها (فان باتين) ونموذج  PACEالذي ابتكره كلُّ من (أدير هوك) و(دوناتو) (PACE هي اختصار للمراحل الأربع التي يتضمنها النموذج، وسنأتي على شرحها لاحقًا). يُوجَّه انتباهُ المتعلمين في كل من هذين المنهجين إلى الشكل دون إغفال المعنى، والأهم من ذلك، أن النموذجين يسلطان الضوء على أهمية الشكل في التواصل الدقيق، وعلى الرغم من أنهما صُمِّما في الأساس لتعليم القواعد، يمكن استخدامها أيضًا لتدريس النطق، الذي يُعدَّ أيضًا جزءًا من الشكل اللغوي، ومع ذلك، يركز كل من النموذجين PI وPACE على الشكل النحوي من منظورين مختلفين، وهما – على التوالي – منظور منفصل؛ أي من الأسفل إلى الأعلى، والمنظومة الكاملة؛ أي من الأعلى إلى الأسفل.

1- نموذج توجيه المعالجة اللغوية Processing Instruction:

يُعدُّ هذا النموذج منهجًا تعليميًا يعتمد على نموذج معالجة المواد الملقَّنة، ويعتمد أساسًا على تعريض المتدربين إلى تمارين خاضعة للتحكم الإستراتيجي تتطلب تنبُّههم النشط لما يتلقَّونه من أجل إرفاق المعنى به؛ إذ يَفترض النموذج أنه بتأخير إنتاج اللغة المُراد تعلُّمها عمدًا، سيُتمُّ المتعلم معالجةَ نظامه النحوي وسيكون قادرًا على إنتاج لغة صحيحة نحويًا بدقة، وتبدأ الممارسة التي تهدف إلى تعرُّف قواعدِ اللغة المستهدفة عن طريق تدريبات التلقين المنظَّمة مباشرة بعد التلقين وذلك لتسهيل الاستيعاب، في حين أن إنتاجَ اللغة غيرُ مطلوب قبل إتمام الاستيعاب.

يمكن أن يُسمَّى هذ النموذج نهجًا من الأسفل إلى الأعلى؛ لأنه يبدأ بحالاتٍ محددة لقواعد اللغة الهدف مقدَّمةٍ على هيئة تدريبات تلقين منظَّمة، تليها تمارينُ إنتاج منظمة، ثم المزيدُ من الأنشطة المفتوحة.

2- نموذج PACE:

يُعدُّ هذا النموذج – على عكس سابقه – نهجًا من الأعلى إلى الأسفل؛ إذ إنه يبدأ بعرض النص الكامل الذي يتضمن العديد من الأمثلة عن قواعد اللغة المُراد تعلُّمها. يتفاعل الطلاب أولًا مع النص عن طريق استكشاف معناه عن طريق عدة قراءات (مرحلة “العرض” Presentation)، ثم يوجِّه المعلمُ انتباه الطلاب إلى قواعد اللغة الهدف في النص (مرحلة “الانتباه” Attention)، ويحاول حثَّ الطلاب على استنتاج القاعدة، مقدِّمًا المساعدة فقط إذا لزم الأمر (مرحلة “الإنشاء المشترك” Co-construction)، وأخيرًا يؤدي الطلابُ أنشطةً باستخدام القواعد التي تعلموها (مرحلة “التوسع” Extension)؛ ويتشكل اسم هذا النموذج PACE من أوائل حروف المراحل الأربع.

يبدو أن الفجوةَ بين مرحلتي الإنشاءِ المشترك والتوسعِ أكبرُ من أن يتمكن المتعلمون من تخطيها وحدهم؛ فالانتقال السريع من اكتشاف القواعد إلى تطبيقها لا يسمح للمتعلمين بمعالجة القاعدة معالجةً صحيحة أو بدمجها في نظامهم اللغوي، ومن أجل سد هذه الثغرة، يُعدُّ نموذج S-PACE بديلًا يشملُ تدريسَ الشكل اللغوي من منظور لغويٍّ كاملٍ ومنظورٍ منفصل أكثر تفردًا، وكلاهما مدمج بعملية سلسلة لا تخرج عن طبيعة الدرس التواصلية. يكمن اختلاف هذا النموذج في وضع تمارين التلقين والإنتاج المنظَّمة الخاصة بنموذج PI بين المرحلتين الأخيرتين من نموذج PACE؛ أي بين مرحلتي الإنشاء المشترك والتوسع. وهكذا، بعد بناء القاعدة النحوية في اللغة المستهدفة، يُمنَح المتعلمون الفرصة لممارسة هذه القواعد ممارسةً منظمة لضمان دمج القاعدة الجديدة في نُظم اللغويات لديهم قبل الانتقال إلى النشاطات المفتوحة.

دراسة تجريبية

لاختبار هذه التقنية، أُجريت دراسةٌ تجريبية على مجموعة صغيرة من مُتعلمي الإسبانية؛ فقد خضعوا بداية لاختبار أولي لمعرفة قدرتهم على استخدام الأوامر الرسمية الإسبانية، ثم تعلموا قواعد نحو اللغة الثانية باستخدام ثلاث طرائق مختلفة: دُرِّست مجموعة منهم بطريقة تقليدية؛ أي عن طريق محاضرة عن قواعد اللغة وتقديم بعض الأمثلة، يليها تمارين مأخوذة من الكتاب المدرسي لاختبار معلومات الطلاب؛ ودُرِّست مجموعة أخرى باستخدام نموذج PACE؛ وأما المجموعة الثالثة فدُرِّست باستخدام نموذج S-PACE. أظهرت النتائج على نحوٍ غير متوقع أن المجموعات الثلاث قدّمت أداءً أفضل في الاختبار الثاني، فقد حققت المجموعة الثانية (PACE) نتائج أفضل من المجموعتين الأخريتين في الاختبار الثاني، ولكن كانت المجموعة الثالثة فقط (S-PACE) هي من حققت النتائج الأفضل في اختبار لاحق.

يمكن أن يُعزى تحسُّن المجموعات الثلاث في الاختبار الثاني إلى دور الوعي، فقد أُجري هذا الاختبار بعد وقت قصير من التعليم، ولذا كانت البنية الجديدة لا تزال موجودة في أذهان المشاركين من المجموعات الثلاث، ولكن لأن المتعلمين في المجموعة الثالثة (S-PACE) حصلوا على فرصة لدمج البنية الجديدة في نظامهم اللغوي المجرد، فقد تمكنوا من استرجاعها بسهولة أكبر في أثناء الاختبار اللاحق.

في الختام، يبدو أن الدراسة التجريبية تدعم الافتراض القائل بأن وجودَ أي نوع من التعليمات الواضحة التي تجعل المتعلمين على دراية ببنية قواعد اللغة الأجنبية أفضلُ من عدم وجودها على الإطلاق، وقد يكون نموذج PACE فعالًا على المدى القصير، ولكن وفقًا لنتائج هذه الدراسة التجريبية، يبدو أن نموذج S-PACE يسمح للمتعلمين بدمج البنية النحوية التي تعلّموها مؤخرًا في أنظمتهم اللغوية الضمنية، مما يعني جعلها قابلة للاسترجاع بسهولة على المدى الطويل. وعلى الرغم من أن نموذج S-PACE يبدو واعدًا، من أجل إثبات فعاليته في تدريس قواعد اللغة الأجنبية ونطقها، فإنه لا يزال يتطلب الاختبار على نطاق أوسع.

المصدر: 
هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق