الصحة والطب

هل يوجد علاقة ما بين تطوّر الجهاز العصبي وبكتيريا الأمعاء؟؟

يُعدُّ تطوّر الجهاز العصبي عمليةً شديدةَ التعقيد يتحكم بها عددٌ من العوامل الداخلية والخارجية، ونتيجةً لتعقيد هذه العملية وطولِ الفترة التي تستغرقها، يجعلها ذلك أكثر حساسيّةً للعواملِ البيئيّة، وقابلةً للتأثّر بالكثير من التغيُّرات، منها عواملُ تؤثر أثناءَ التطوّرِ الجنيني وأخرى بعد الولادة وتستمر حتى اكتمالِ نموِّ الجهاز العصبي في سن البلوغ.
تشير نتائج الدراساتِ مؤخراً إلى وجود علاقةٍ ما بين القناة الهضمية (الأمعاء) والدماغ، وتظهر هذه العلاقة جليّةً في حالات القلق والاكتئاب وبعضِ الاضطرابات الاستدراكية والمعرفيّة مثل التوحُّد.
إذ أنَّ دراسةً مرجعيةً نُشرت في مجلة Cell، بينت العلاقةَ القائمةَ ما بين الجهاز العصبي المركزي وبكتيريا الأمعاء والتفاعلات الحيويّة بينهما بشكلٍ واضح، إذ اعتمد الباحثونَ في هذه الدراسةِ على مناقشة الدراساتِ والأبحاث التي أُجريت سابقاً في هذا المجال، وذلك سعياً للتحري عن صحةِ الفرضية التي تُشيد بأنَّ “بكتيريا الأمعاء هي مساهمٌ أساسيٌّ في عملية تطورِ الجهاز العصبي وبالتالي في التوازنِ بين الصحة العقلية والمرض”.
كما تضمنت الورقةُ الأصليةُ للدراسةِ جداولَ تُظهِر بعض العوامل المؤثرةِ على الفلورا ما قبل وبعد الولادة وآليات التأثير وأثرَها على السلوكيات مع عناوينِ الدراسات المكتشِفة لكلِّ عاملٍ والمراجع الخاصة.

من أجل بناءِ جهازٍ عصبيٍّ سليمٍ وذي وظيفةٍ جيدة تتطلبُ عمليةُ التطوّر العصبي الصحيحةُ تكاملاً وتناسقاً ما بين مختلفِ الإشاراتِ الجزيئية (منبهات أو مثبطات) التي تُسيّر حدثيّةَ التطوّر العصبيِّ خلال مرحلةِ التطور الجنيني وحتى ما بعد الولادة. إحدى تلك الإشارات، تلك القادمةُ من البيئة المحيطةِ كالإشارات الجزيئيةِ التي قد تصدُر عن الأمعاء والتي تلعب البكتيريا الموجودةُ هناك دوراً كبيراً في تحفيزها أو إنتاجها.

تبيّن أنَّ للفلورا المعويةَ (وهي عبارةٌ عن مجموعاتٍ من البكتيريا التكافليةِ التي تستوطن أمعاء البشر وجميعَ الحيوانات) دوراً محورياً في تطوّرِ الجهازِ العصبي كتشكيلِ الحاجز الدمويِّ الدماغيّ وتشكيلِ مادة الميلانين (التي تغلّف محاويرَ الخلايا العصبية) وتشكّيلِ الخلايا العصبيةِ ونضوجِ خلايا الدبق العصبي الصغيرةِ، بالإضافةِ إلى تركيبِ النواقل العصبية، كما أنّها تمتلك تأثيراتٍ مباشرةً وأُخرى غير مباشرة على السلوك. وأنَّ أيَّ تغييرٍ يطرأ على تركيبةِ هذه الفلورا سواءً من خلال تناولِ المضاداتِّ الحيّوية أو استعمارِ الأمعاءِ بأنواعٍ جديدةٍ من البكتيريا قد يؤدّي لنتائجَ ملموسةٍ تتمثل بحدوث بعض الاضطراباتِ السلوكية، فقد تبيّن مثلاً أنّ تناول الصاداتِ الحيويةِ لفتراتٍ طويلةٍ (علاجٌ طويلُ الأمد) لدى الفئران البالغة يؤدّي إلى إنقاصِ معدّلِ إنتاجِ الخلايا العصبيّة في منطقةِ الوطاءِ وبالتالي إلى عجزٍ واضحٍ في اجتيازِ اختبارات “التعرف على الأشياء الجديدة”.

لفهمِ العلاقةِ بين الأمراض المتعلقة بالجهاز العصبي والفلورا المعوية بشكلٍ أفضل لا بد من النظرِ إلى عاملٍ مشتركٍ مرتبطٍ بالفلورا المعوية.
يعدُّ الالتهابُ العصبي neuroinflammation سّمةً مميّزةً ومشتركةً بين العديدِ من الأمراض والاضراباتِ التي تصيب الجهاز العصبي مثل متلازمةِ داون ومتلازمة الصبغي X الهش واضطرابِ طيفِ التوحد، إذ يُمكِن للالتهابِ أن يؤثِّر بشكلٍ جذريٍّ في مجرى العملياتِ المعقدةِ التي تَحدثُ خلالَ تطور الجهاز العصبي مسبباً حدوثَ تغييراتٍ في نشاطِ الدماغ وكذلك في السلوك. وفقاً للفرضية المطروحة يُمكن للفلورا المعوية أن تحفز هذا الالتهاب عبر بعضِ الإشارات الجزيئية أو عبر موادَّ تُنتجها قد تتسببُ بالمحصلةِ بظهور تأثيراتٍ على سلوك الفرد يمكن أن تصل إلى حدِّ نشوءِ الأمراضِ التطوّرية العصبيّة في بعضِ الحالات.
تُجرى حاليّاً دراساتٌ مكثّفةٌ على فئرانِ تجاربَ مصابةٍ بمتلازمةِ داون أو باضطراب التوحُّد أو متلازمةِ الصبغي X الهش وذلك بهدف التوصّل إلى معرفةٍ دقيقةٍ للموادِ والجزيئاتِ التي تُنتجها الفلورا المعويّة ويتم امتصاصاها في الأمعاءِ لتجول في مجرى الدم وتصل إلى الدماغِ لتؤثّر به، وستتم دراسة جينات هذه الفلورا والبروتيناتِ الخاصةِ بها والعملياتِ الاستقلابيةِ ضمن هذه البكتيريا بغيةَ التوصل إلى المنتجات البكتيريةِ المسبّبة بالفعل للأمراض المذكورة وسيتم تقصّي دور تلك المواد في تحريضِ الالتهاب عبر تحرّي أهدافها الدوائية.
باختصار يمكننا القول أنَّ هنالك ما يُسمّى بالمحورِ المعوي الدماغي (gut-brain axis)، الذي تمارس من خلاله الفلورا المعويّة تأثيرها على الدماغ وتطورِ الجهاز العصبي، ويمكن أن يودّي أيُّ خللٍ يصيب هذا المحور إلى أمراضٍ عصبيّةٍ معيّنة قد يُصاب بها الفرد في المستقبل، بالإضافة إلى اضطراباتٍ تتعلق بالسلوكِ والصحةِ النفسية.
سيتمكّن الباحثون من خلال تلك الدراسات من تحديدِ الآلياتِ الكامنةِ وراء قدرةِ الفلورا في أمعائنا على التأثيرِ على الدماغ بالإضافة إلى اكتشاف المؤشراتِ والعلاماتِ الحيويةِ التي ستفيدنا في مراقبة حالةِ “التهاب الدماغ” أو تساعدنا حتى على اكتشافِ أدويةٍ جديدةٍ تساهم في التخلصِ من الأمراضِ المتعلّقةِ بالالتهاب.

المصادر:
1- هنا
2- هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق