البيولوجي المتطورةالصحة والطب

وداعًا للسرطانِ والأمراضِ الجينية؟

شهدَ عصرُنا كثيرًا من المحاولاتِ الراميةِ إلى القضاء على السرطان بواسطة مختلِفِ الأنواعِ من طرائق العلاج، سواءً الكيميائيّة أم الشعاعيّة أم حتَّى الجراحيّة، ولكن؛ ماذا لو حاولنا القضاءَ عليه في مصدرِه الأساسي وفي مكانِ استحداثِ الخلايا السرطانية والطفراتِ؛ أي في الـ DNA؟

بدايةً؛ فلنتعرَّف إلى مركزِ التحكُّم بالخلية؛ أي الـ DNA النووي؛ إذ يكونُ على شكلِ سلسلتَين حلزونيتَين تحملان كلَّ المعلوماتِ الوراثية التي يحتاجها الكائن الحي لتشكُّلِه ونموِّه.

يتألَّفُ الـ DNA من مجموعةٍ من المركَّباتِ الكيميائية التي تُدعى النكليوتيدات، ويُشكِّلُ اجتماعُ عددٍ معيَّنٍ من هذه المركبات ما يُسمَّى “الجين gene”، والذي يتعرَّضُ لعدد من العمليات الكيميائية الحيوية مُعطِياً البروتينات الضروريَّة للخلية؛ إضافةً إلى جزيئات RNA.


Image: https://cdn.suwalls.com/wallpapers/3d/dna-strand-7346-400×250.jpg

ومن البديهي أن يتبادر إلى الأذهان السؤالُ الآتي: ما الـ RNA؟

الـ RNA هو تسلسلٌ من مركبات كيميائية أيضًا؛ مشابِهةٍ لتلك الموجودة في الـ DNA مع بعضِ الاختلافات، ويُنتسَخُ من الـ DNA، ويكونُ في معظم الأحيان سلسلةً واحدةً مُفردةً.

وللـ RNA أنواعٌ عدَّةٌ ذاتُ وظائف مختلفة؛ نذكرُ منها RNA مرسال أو mRNA، والذي يوجَدُ في كلٍّ من النواةِ والسيتوبلاسما، وتتمثَّلُ وظيفته في نقل أوامر الـ DNA؛ فالـ DNA لا يخرجُ من النواة، بل إنَّ أوامرَه هي التي تخرجُ محمولةً على جزيئة mRNA.

وهنا لابدّ من أن نذكر أنَّ معظم النواتج النهائية للعملياتِ الواقعةِ على mRNA (عملياتِ ترجمة mRNA) تكونُ بروتيناتٍ لها أدوارٌ وظيفية أو شكلية.

فكيف تتركَّب البروتيناتُ عند الإنسان؟

تجري عمليةُ تركيب البروتينات عند الإنسان (وحقيقيّاتِ النوى عمومًا) على ثلاثِ مراحل:

المرحلة الأولى: تضاعُفُ الـ DNA، وتحدثُ هذه العملية بواسطةِ أنزيماتٍ وعواملَ معيَّنةٍ داخل النواةِ مُعطيةً شريطَ DNA طبقَ الأصل في الحالاتِ السّويّة.

المرحلة الثانية: انتساخُ الـ DNA؛ أي الحصولُ على جزيئةِ mRNA ابتداءً من جزيئة DNA، وتحدثُ هذه العملية في النواة أيضاً؛ بمساعدةِ أنزيمات وعوامل انتساخ.

المرحلة الثالثة: ترجمةُ mRNA بواسطةِ الجُسيماتِ الريبية (الريباسات)؛ لإعطاءِ بروتينات في معظم الأحيان، ويحدث ذلك في السيتوبلاسما.

وبعد انتهاء عملية الترجمة؛ نحصل على البروتيناتِ، والتي تغادر بعدَ ذلك إلى أماكنِها المُخصَّصة داخل الخلية أو خارجها.

مؤخرًا؛ اكتُشِفَ نوعٌ جديدٌ من الـ RNA وهو الـ RNA الصغيرُ المُتداخِل small interfering RNA (siRNA)، والَّذي كان نقلةً نوعيةً في عالم الطب والتقانة الحيوية، ومُنحَت جائزةُ نوبل لمكتشفه.

علامَ يدلُّ مصطلحُ RNA المتداخِل أو RNAi؟

في بعضِ الأحيان تتداخلُ (ترتبط) سلسلتا RNA، ونحصل على جزيءِ RNA مُضاعَف double-stranded RNA – dsRNA.

عند خروجِ السلسلة المضاعَفة إلى النواة؛ قد تتعرّض لأنزيمٍ يُدعى Dicer يشطرُ السلسلتَين الطويلتَين إلى قِطعٍ صغيرة دون أن يفصلَ السلسلة المضاعفة، وبعد ذلك يأتي بروتينٌ من عائلة Argonaute ويرتبطُ بالسلسلة المضاعفة، ويؤدّي هذا الارتباطُ إلى شطر هاتَين السلسلتَين والحصولِ على سلسلة واحدة فعَّالة تستطيع الارتباط بشريط mRNA وتشكيلِ مُعقَّدٍ قادرٍ على قطع سلسلة mRNA أو تحطيمِها؛ أي باختصار؛ يمنعُ ترجمة مواقع محددة من هذا الشريط، ويُمكِنه إسكاتُ جيناتٍ معيَّنة لتصبحَ غير قادرة على إعطاءِ البروتيناتِ الموافِقة لها.

لماذا يُعدّ الـ RNA المتداخِل نقلةً نوعيةً في عالمِ الطب والتقانة الحيوية؟

نعلمُ أنَّ الطبيعةَ غيرَ التخصصية للعلاج الإشعاعي أو الكيميائي تؤثِّرُ على الخلايا السليمة أيضًا مُسبِّبةً كثيرًا من الضَّرر لها كما تفعلُ للخلايا السرطانية. والآنَ؛ أصبحَ بإمكانِ الباحثين تصنيعُ siRNA معيّنٍ ليرتبطَ مع سلسلة mRNA معينة، ومَهمَّته إسكاتُ جينٍ مُحدَّد دونَ غيره، وبذلك يُقضَى على العواملِ المُمرِضة أو الجيناتِ الطافرة دون أن تتأثر العواملُ السليمة الأخرى.

ويُمكن أن تُستعمَلَ هذه الطريقة في علاجِ الأمراض الناتجة عن الطفرات الجينية؛ كما في السرطاناتِ والأمراض التنكُّسيةِ العصبية مثل ألزهايمر وداء باركنسون (أي الأمراضِ التي تتميز بوجودِ خللٍ في إنتاج البروتينات).

وقد أثبتَت هذه الطريقة فعاليَّتها في  أنابيبِ الاختبار in vitro، لكنَّها تواجهُ عقباتٍ في الأوساط البيولوجية كما في الجسم الحي in vivo، من بينها قِصَرُ مدَّةِ تأثيرات الـ siRNA والـ miRNA وقلةُ ثبوتِها في الأوساط البيولوجية.

كيف يمكن إدخالُ جزيئاتِ siRNA إلى الجسم؟

نظرًا لضعفِ استقرارِ سلسلة siRNA وعجزِها عن عبورِ الأغشية الخلوية؛ استعانَ الباحثون بأنظمةِ نقلٍ ذاتِ أبعادٍ نانوية مهمّتها حمايةُ الجزيء من بيئةِ جهاز الدوران وإيصالُه إلى الخلايا المُستهدَفة بدقة تامّة.

وقد ثبتت فعّالية استخدامِ التقانات النانويّة لنقلِ كلٍّ من العلاج الكيميائي وسلاسل RNA المتداخلة معًا في علاج السرطان، إذ إنَّ قُدرة siRNA على إسكاتِ الجينات ثمَّ البروتيناتِ التي تُنتِجها الخليةُ السرطانية تزيدُ من فعّالية العلاج الكيميائي وامتصاص الخلية السرطانية له.

وأخيرًا؛ ما زالت الأبحاثُ مستمرَّةً في إمكانيةِ الاعتمادِ التامِّ على طريقة إسكات الجينات بواسطة سلاسل الـ RNA المُضاعَفة (dsRNA)، وفيما إذا وُجدَت أيُّ أضرار غيرُ مُتوقَّعة على الخلية، إذ إنَّ ردَّ فعل الجسم تجاهَ إدخال هذه السلاسل ما يزال قيد الدراسة.

المصادر:
هنا
هنا
هنا
هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق